مقالات مقالات

 

 

محاولة  لطمس المنتوجات المحلية العريقة والقضاء عليها لعدم القدرة على تصنيعها

 

 

كثيرا ما نسمع عن التقدم الصناعي وكثيرا ما نسمع عن السبق الأوروبي أو الغربي في الصناعات الغذائية. والراجح عند عامة الناس أن الغرب متقدم في كل الميادين، ويتحتم علينا التطلع لهذه الصناعة والتطلع إلى استيرادها واستعمالها والافتخار بها، والحقيقية ليست كذلك فالصناعة الغربية انطلقت من خبرة المطبخ الغربي، بمعنى أن كل المواد التي كانت تحضر تقليديا دخلها البحث وأصبحت بحكم العلوم تحضر صناعيا. ولنوضح أكثر فالنقانق مثلا كانت تحضر تقليديا من لدن المزارعين أو سكان البادية أو مربي الماشية على الخصوص، والأجبان كانت كذلك تحضر في الضيعات والمزارع من طرف مربي الماشية والمزارعين بطريقة تقليدية ولم تكن من أجل الحصول على منتوج أرقى أو أحسن أكثر ما كانت تحضر اتقاء الفساد والضياع للحليب فقط.

 

وأصبحت هذه المواد تحضر صناعيا لأسباب عديدة ومختلفة، أهمها أن سكان المدينة ليس بوسعهم تهييء هذه المواد من حيث المكان الذي أصبح ضيقا، وكذلك الوقت الذي أصبح محدودا، وهو ما أدى طبعا إلى ظهور شركات صناعية تتكفل بصناعة المنتوج وترويجه في المدن، وساعد ذلك تدخل البحث العلمي الذي استطاع أن ينقل الطريقة من التحضير التقليدي إلى الصناعي.  فالحليب المخمر الذي يطلق عليه اسم اليوغورت ليس منتوجا غربيا بل هو منتوج عربي انتقل من شمال العراق إلى أرمينيا ومن تم إلى أوروبا. واليوغورت بالأرمينية يعني لبن الخض أو ما نسميه نحن في دول المغرب العربي باللبن، ولأن المنطقة التي تم فيها عزل البادئات أو الخمائر هي منطقة حارة، تصل فيها درجة الحرارة العادية إلى 40 م، فإن الأصناف التي تم عزلها كانت محبة للحرارة، وأصبح الأسلوب صناعيا وأصبح المنتوج راقيا، وهو حليب مخمر لا أقل ولا أكثر.  واللبن المغربي الأصيل يفوق جودة اليوغورت بكثير.

 

 نقانق المركاز التي تعج بها أسواق أوروبا ليست غربية بل جزائرية الأصل انتقلت إلى أوروبا كما انتقل الكسكس وكثير من الوجبات الأخرى، والغريب في الأمر هو إقبال هذه الدول على المنتوجات المغربية أو العربية وإعراض أصحابها عنها. ونخبر الصناع أن السمن المغربي  انتقل أخيرا إلى أوروبا كما انتقل من قبله اللبن الذي أصبح أكثر استهلاكا من المنتوجات الأخرى خصوصا يوم الجمعة مع الكسكس،  ولنرى إلى أين تسير الصناعة المغربية وكذلك الاستهلاك المغربي.  ونشير إلى أن استهلاك الأجبان في المغرب هو من المستحدثات الصناعية فسكان المغرب لا يستهلكون الأجبان الغربية خصوصا المساواة منها، والمعروف و السائد في المغرب هو الجبن المغربي، والجبن المغربي كان يحضر من حليب العنز أو الغنم باستعمال مجبنات نباتية تسمى" الحك" وتعطي جبن حلو ويستهلك بدون إزالة الماء وهو ما تجهله الصناعة المغربية.  ولأن ما يطلق عليه اسم الجبن حاليا ليس جبن بالمفهوم المغربي وإنما بالمفهوم الغربي Fromage frais  أوFromage blanc  ومن الصناع من يريد ترجمة اللبن وقد تسول له نفسه أن يستعمل مصطلح petit lait ليعلن في الأخير أنه لا يعرف طريقة اللبن ولا طريقة petit lait ، لأن هناك فرق شاسع بين الاثنين وكل من حاول ترجمة اللبن يجهل الصناعة الغذائية والأسلوب الخاص باللبن.

 

وبحكم وجود بعض المطاعم، وبحكم استيراد الأساليب الغربية، وبحكم العقدة الغربية نكون غيرنا استهلاكنا وغيرنا تغذيتنا، لأن من تعلم هناك كان يجهل التكنولوجيا المحلية، وتخيل أن هذا البلد كان يعيش على الحشائش أو كان يرعى  في الغابة حتى تعلم ليعود له بتقنيات المجتمع المتحضر ظنا أنه على شيء. وهناك كثير من الأغذية قضى عليها من درس هناك، وهذه العقدة تعانقت مع الموضة وقضوا على كثير  من المكتسبات الغذائية المحلية، وخصوصا الخبرة المحلية لدى المنتجين الخواص، بل حتى لدى السيدات.

 

  لقد كانت لدينا تكنولوجيا غذائية وأساليب تقليدية في تحضير كثير من الأغذية. وبالأمس القريب كان المغاربة يخللون الزيتون بأنفسهم حيث كان الزيتون إما أن يضرب بالحجر أو يشق بالسكين ويوضع في الماء والملح في جرة من الطين   ليتخمر طبيعيا، فيعطي منتوجا عالي الجودة وفيه مكونات تحول دون ظهور الأمراض المستعصية مثل السرطان وأمراض القلب والشرايين وارتفاع الضغط والكوليسترول.  لكن فجأة عمد صناعنا إلى جلب التقنيات الأجنبية فأصبح الزيتون يعالج بالصودا الكاوية ويوضع في براميل بلاستيكية. ونشير إلى أن نوع البلاستيك المستعمل حاليا محضور  دوليا  للاستعمال الغذائي ) المطاط الأزرق الذي يستعمل للمواد الكيمياوية(. وبالأمس كان المغاربة يستخرجون زيت الزيتون بطحن الزيتون بالرحى الحجرية، ويعصر الطحين ويوضع في الصهاريج ليفصل الزيت عن الماء ويبقى القسط الصلب ليستعمل في التسخين، فيكون الزيتون غنيا بالمكونات التي تستخرج من حبوب الزيتون لتقي الزيت من الأكسدة وتقي المستهلك من الأمراض، لكن الصناع بحكم انبهارهم بالتكنولوجيا الغربية تسابقوا ليشتروا معدات حديثة كهربائية تعطي زيت مباشرة ونفايات صلبة دون ماء أو أي سائل. وتتم تصفية الزيت حتى لا تبقى فيه المكونات الطبية التي يجب أن تبقى فيه، فأصبح الزيت زيتا وليس دهنا. وأخيرا بدأ الصناع ينتجون زيتون ليس أسود وإنما مسود (noirci) وهو زيتون أخضر يعالج بالصودا ثم يخمر أو يحمص ثم يضاف إليه محفز من الحديد ويهوى حتى يصبح أسودا، والغريب في الأمر أن ثمنه مرتفع، ويقبل الناس عليه. والزيتون الأحمر كذلك يعالج بالتحميض الكيماوي ليصبح براقا وجذابا، ومن الناحية العلمية لا يكون الزيتون أحمر باللون الذي يعجب الناس، إلا بعد المعالجة بالحمضيات المعدنية، لأن المواد الدابغة لا تتأكسد لتصبح حمراء إلا عند  pH 2 )أنظر البحث الذي أجري بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة من طرف دينة الديوري  (.

 

 وتقدمت صناعة النقانق والسجقات في المغرب حتى طغت، ورغم تاريخها الأسود في التسممات وما فعلته في البشرية، فهي منتشرة وبكثرة وأصبحت تمتلأ بها الدكاكين حتى في البادية.  لكن منتوجنا التقليدي الأصيل، الخليع يبقى فاسيا ولا يتعدى فاس إن كان بالشحم، أو مراكشيا لا يخرج من مراكش إن كان بزيت الزيتون، فهل كان المغاربة يعرفون النقانق من قبل؟ طبعا لا، وهل يقدر الصانع على تصنيع الخليع، طبعا لا، لأن القياسات متعددة. ولماذا؟ لأن البحث العلمي لا يزال هناك وليس هنا، والبحث العلمي هناك لا يعرف الخليع، وسننتظر أن يعمل الباحثون هناك على طريقة لإنتاج الخليع  لنتسابق إلى استيرادها ودفع ثمن الملكية الفكرية للحصول عليها .

 

وكما نعلن دائما فالجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك لا تسمح ولن تسمح بطمس العادات والتقاليد الغذائية المغربية، ولن نسمح كذلك باستبدال منتوجاتنا  بمنتوجات غريبة على المجتمع المغربي وعلى المستهلك المغربي. ونشجع ونحت المستهلك المغربي على أن يبقى متشبتا بقيمه الغذائية، وأن لا يضيع طريقة تحضيرها، وأن يقوم بتحضيرها بنفسه إذا أمكن. وأن يفتخر بما لدينا من المتوجات التي أصبحت تبهر الباحثين والعلماء في الميدان، وقد أجريت أبحاث عديدة حول كل المنتوجات المغربية حتى لا يكون كلام فقط أنظر رسائل الدكتوراه التي أجريت من طرف بناني ليلى حول الخليع، ورسائل الدكتوراه التي أجريت حول الخبز البلدي الحامض من طرف سهام الطاهري وأسماء الشاوي،  ورسائل الدكتوراه حول السمن من طرف عبد الحق المراكشي ومحمد فائد، ودبلوم مهندس الدولة من طرف سكينة لوباريس وفراح بناني حول طريقة تصنيع اللبن المبستر والزبدة البلدية والجبن الطري، ورسالة الدكتوراه حول طريقة تخمير الزيتون من طرف عبد السلام أصحراو،  ورسالة الدكتوراه حول طريقة تحفيظ زيت الزيتون من طرف مليكة الشرعي، ورسالة الدكتوراه حول حليب الإبل من طرف خديجة خديد، ورسالة الدكنوراه حول لحوم الإبل من طرف إشراق كلالو، وهناك أبحاث تجرى حاليا حول مواد مغربية أخرى ستناقش رسائل الدكتوراه المتعلقة بها قريبا.

 

ويبقى شعار الجمعية دائما  هو حماية المستهلك من خلال حماية المنتوج وحماية المنتج من خلال الخبرة الوطنية والتربية الغذائية الوطنية. فلدينا خبرتنا ولدينا قيمنا وعاداتنا الغذائية.