الحماية الجنائية للمستهلك في إطار القانون المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع

 فـــاتــــح كــمـــال

طــــالـــب باحـــث بوحـدة قانون الاستهلاك والمنافسة

كــلــيـة الــحقوق بفاس

 

 مقدمــــة

إإن حماية المستهلك تعد في مقدمة الواجبات الأساسية للدولة الحديثة التي تقع على عاتقها مسؤولية ضمان المستوى المناسب من الحياة الكريمة والحصول على السلع والحاجات الكفيلة بتحقيق رغبات كل فرد . والمغرب يعتبر من الدول التي اهتمت بالمستهلك كعنصر فعال داخل المجتمع، وذلك بإصدار أنظمة وقواعد قانونية تهدف إلى حماية المستهلك من كل خطر أو تلاعب  (1). وتأخذ الحماية القانونية للمستهلك مظاهر وأساليب متعددة أهمها الناحية الجنائية التي اخترتها كعنوان لمداخلتي : " الحماية الجنائية للمستهلك في إطار القانون المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع". للتذكير فإنه بمراجعة القانون13.83 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع (2) نجده يستعمل مصطلحات " إنسان" ، " متعاقد" مشتري كموضوع للحماية مما يثير التساؤل إن كان القانون المذكور يتعلق بالمستهلك ويضمن له الحماية ؟

 برجوعنا إلى إحدى التعريفات الكثيرة للمستهلك نجد جانبا من الفقه يعرفه بأنه كل شخص يتعاقد بقصد إشباع حاجاته الشخصية أو العائلية (3) ولايكتسب صفة المستهلك حسب هذا التعريف من يتعاقد لأغراض مهنته أو مشروعه.

فأوجه التلاقي بين مفهوم المستهلك والمصطلحات المستعملة في القانون 83-13 موجودة وتسعفنا للقول أن الحماية الجنائية للمستهلك في إطار هذا القانون موجودة.

 وتشكل دراسة هذا الجانب أهمية نظرية بالغة لقلة الدراسات التي اهتمت بحماية الطرف الضعيف في علاقته بالمهني من خلال القانون المذكور وكذا ما أصبح يشكله قانون الاستهلاك من راهنية  بالنسبة للمغرب في مشارف مدونة استهلاك طال انتظارها. وغني عن البيان أن الأهمية العملية للدراسة تتمثل في حماية جمهور المستهلكين اللذين يواجهون العديد من المخاطر في زمن العولمة وتحرير الأسواق حيث التزييف والغش أصبحا ملازمين لظهور اقتصادات ناشطة جديدة (4).

ويعتبر صدور قانون الزجر عن الغش في البضائع الذي نفذ بظهير5/10/1984 تأكيدا لرغبة المشرع المغربي في حماية المستهلكين بعد أن عرفت النصوص المنظمة لزجر الغش تقلبات كثيرة ابتدأت من الرسالة الدورية التي وجهها مندوب الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب إلى رؤساء البلديات بتاريخ 17/09/1913 والمتضمنة لنص نموذجي يجب الإعتماد عليه في صياغة القرارات البلدية المتعلقة بالزجر عن الغش في المواد الغذائية والمواد المخصصة للمداواة.

 وقد أصدرت بلدية الدار البيضاء تبعا لذلك في 20/11/1913 قرارا بلديا يمنع الغش في المواد الغذائية والمواد المخصصة للمداواة ويسند أمر البحث وتحرير المحاضر إلى الشرطة التي توجهها طبقا للفصل الخامس إلى القنصل أو السلطة المعنية في نفس الوقت مع جميع الأشياء والمنتوجات لكي يتابع المخالف طبقا لتشريع الدولة التي ينتمي إليها : ونظرا لعدم فعالية القرار بسبب ارتباط المغاربة بولاية الحسبة و لشدة العقوبات بالنسبة للفرنسيين أو غيرهم من الأجانب المقيمين فإن السلطات الفرنسية أصدرت ظهيرا بتاريخ 26/3/1914 يتعلق بمخالفات قرارات القواد والباشاوات في ميدان الغش الذي ووجه بمعارضة صارمة لتوحيده العقوبة بالنسبة لجميع المخالفات وتشديدها. وبتاريخ 14/10/1914 صدر الظهير المتعلق بزجر الغش الذي عرف حتى سنة 1959 ستة عشر تتميما وتعديلا وتغييرا. وعرفت سنة 1959 كما هو معلوم صدور الظهير الشريف رقم 1.59.380 بتاريخ 29/10/1959 الذي جعل من جرائم الغش الماسة بصحة الأمة جنايات معاقب عليها بالإعدام مع التطبيق بأثر رجعي (5). لكن أهم ماميز التشريع المغربي في مجال حماية المستهلك هو صدور القانون 13.83 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع (6)؛هذا القانون يتكون من ثلاثة أقسام :

 

القسم الأول: يتعلق بالجرائم وعقوباتها ( ف 1 إلى 17).

القسم الثاني: يتعلق بمسطرة البحث عن الجرائم وإثباتها ( ف من 18 إلى 42).

القسم الثالث: يتعلق بأحكام متنوعة عامة وانتقالية ( ف من 34 إلى 47 )(7).

ولن أتطرق من خلال هذه الدراسة لكل هذه الأقسام بل سأكتفي بدراسة نطاق الحماية  الممنوحة للمستهلك في إطار القانون المذكور ( المبحث الأول) قبل أن أعرج في (المبحث الثاني) على عرض حدود الحماية دائما في إطار نفس القانون.

     المبحث الأول: نطاق الحماية الجنائية للمستهلك في إطارالقانون13.83

إن فكرة حماية المستهلك ليست بالجديدة في المنظومة القانونية المغربية بل ظهرت تشريعيا من خلال النصوص المتعلقة بزجر الغش في البضائع لاسيما قانون 13.83 الذي يمكن اعتباره أحد أهم الإرهاصات لظهور قانون الإستهلاك بالمغرب لاجل حماية جنائية  لمستهلك البضائع  سنعالجها في (المطلب الأول) لنتطرق في المرحلة الثانية للحماية المقررة في نطاق ضيق لمستهلك احدى الخدمات الا وهي الاشهار( المطلب الثاني)

         المطلب الأول: الحماية الجنائية لمستهلك البضائع

نذكر ابتداءا أنه يقصد بالبضائع في مفهوم هذا القانون المواد الغذائية والمشروبات  والمنتجات الفلاحية أو الطبيعية والمواد المستعملة للمداواة ... وتخرج من نطاق مفهوم البضائع العقارات والإنتاجات الفكرية والذهنية غير الخاضعة للتقويم ولو كانت تابعة بأي شكل من الأشكال (8) . ولقد حاولت أن أبحث عن الحماية التي يمنحها القانون المذكور إلى المستهلك من خلال ضمانه للحقوق الأربعة الاساسية  المعترف بها للمستهلك ألا وهي :

 

أولا : الحق في السلامة ، ثانيا : الحق في الإخبار ، ثالثا : الحق في الإختيار ، رابعا : الحق في الإنصات إليه.

أولا : بخصوص ضمان  الحق في السلامة للمستهلك :

نجد أن الفصل 2 من القانون 83 . 13 ضاعف العقوبات المنصوص عليها في الفصل الأول ( من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة من ألف ومائتي درهم إلى أربعة وعشرين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط) إذا ارتكب الخداع أو التزييف أو التدليس بواسطة منتجات أومعالجات فيها خطر على صحة الإنسان أو الحيوان أو باع الفاعل أو عرض للبيع لحما أو أسقاط حيوانات يعلم أنها ماتت بأمراض أثبت الفحص أنها معدية أو مصابة بأمراض طفيلية تنتقل إلى الإنسان أو الحيوان أو أنها ذبحت لإصابتها بالأمراض المذكورة.

ويحكم بالعقوبات الآتية بغض النظر عن العقوبات الآشد المنصوص عليها في نصوص تشريعية خاصة ولاسيما ظهير 29 أكتوبر 1959 بزجر الجنايات على صحة الأمة :

1 – الحبس من سنتين إلى ست سنوات إذا سبب ابتلاع المواد المذكورة إصابة الغير بمرض أو عجز عن العمل تتجاوز مدته عشرين يوما.

2 – السجن من خمس الى عشر سنوات إذا سبب ابتلاع المواد المذكورة إصابة الغير بمرض يظهر أنه عضال أو بفقدان استعمال عضو أو بعاهة دائمة.

3 – السجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة إذا سبب ابتلاع المواد المذكورة الموت دون نية القتل.

ولعل هاته المقتضيات قد تشكل نظريا ضمانة لحماية المستهلك من أي خطر قد تشكله البضائع المشتراة على صحته وسلامته.

 وهذا الهاجس يؤكده المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 3 من القانون المذكور بمعاقبته لكل عسكري أو متصرف أو محاسب عسكري قام عمدا بتوزيع أو عمل على توزيع لحوم حيوانات مصابة بأمراض ثبت أنها مصابة بأمراض او ثبت أنها معدية أو أمراض طفيلية تنتقل إلى الإنسان أو الحيوان أو مواد أو أغذية أو سوائل فاسدة أو عفنة بالحبس من أربع إلى عشر سنوات وبغرامة من 2400 إلى 48000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ؛هذا فضلا عن العزل أو التجريد من الرتبة إذا كان الفاعل ضابطا أو له رتبة ضابط.

 هذا عن الحماية الجنائية لحق سلامة مستهلك البضائع، فماذا عن حماية حق الإلتزام باخباره؟

  ثانيا : بخصوص ضمان حق الالتزام بإخبــــارالمستهلك  :

نذكر أن منح المستهلك رضاءا متبصرا ومتنورا، يعد أهم الأهداف الأساسية لقوانين الاستهلاك؛ فالمستهلك في حاجة ماسة إلى تبصيره وإعلامه بكافة المعلومات والبيانات الهامة والمؤثرة في إقدامه أو إحجامه على التعاقد (9).

وهنا يحق التساؤل إن كان قانون 13.83 يهدف بشكل مباشر أو غير مباشر لضمان حق المستهلك في الإخبار ؛عند قيامه بشراء بضاعة ما ؟

 لقد تبين لنا التنصيص بشكل صريح على وجوب إعلام المستهلك " المتعاقد" في القانون المذكور؛ حيث نجد الفصل الأول منه ينص على أنه " يعد مرتكبا للغش عن طريق الخداع كل من غالط المتعاقد بوسيلة ما في جوهر أو كمية الشيء المصرح به أو قام خرقا لأحكام القانون (13.83) أو النصوص المتخذة لتطبيقه أو خلافا للأعراف المهنية والتجارية بعملية تهدف عن طريق التدليس إلى تغييرهما" (10).

 ويعاقب الفاعل بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وبغرامة من ألف ومائتي درهم إلى أربعة وعشرين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط , ويمكن الأمر بنشر الحكم بالعقوبة في جريدة أو عدة جرائد وبتعليقه في باب المؤسسة وفقا لأحكام مجموعة القانون الجنائي المتعلقة بنشر الأحكام القضائية وتعليقها.

 نورد قياسا هنا ماجاء في حكم للمحكمة التجارية بالدار البيضاء : " حيث إنه بالرجوع إلى قنينة زيت عافية موضوع النزاع يثبت أنها تضمنت صورة رسم نبات الذرة بالإضافة إلى نبات الصوجا، غير أن الرسم الأول يطغى بصورة أكثر وضوحا وأكبر مساحة على الغلاف الخارجي للزيت المذكور وهو ما من شأنه جعل المستهلك العادي يعتقد أن زيت عافية مصنوعة أساسا من الذرة أو على الأقل بنسبة جد عالية منها خاصة أن القنينة لم تتضمن أية إشارة إلى نسب هذه المكونات في الزيت المذكورة.

 وحيث إن تقريري الخبرتين المدلى بهما بهذا الخصوص وغير المنازع في صحة ماتضمناه ،  أكدا على أن الذرة لاتشكل سوى نسبة ضئيلة في تركيبة زيت عافية وهو عكس ما يظهر من صورة التلفيف موضوع الدعوى ... لهذه الأسباب حكمت المحكمة ... بالتوقف فورا عن استعمال الملصق المتضمن لرسم الذرة في تسويق منتوجــــها زيت عافية ذي سعة لتر واحد" (11).

و قد جاء في الفصل الرابع من قانون 13.83 على أنه تطبق العقوبات المنصوص عليها في الفصل الأول على كل من خادع المتعاقد أو حاول خداعه :

-                 في ماهية البضائع وخصائصها الجوهرية وتركيبها ومحتواها من العناصر المفيدة  (12).

-                 أو في نوعها أو منشئها عندما يتبين من الإتفاق أو الأعراف أن تعيين النوع أو المنشأ المنسوب زورا إلى البضائع يجب اعتباره السبب الأساسي لالتزام المتعاقد (13).

-                 أو في كمية الأشياء المصنوعة أو المعبأة أو المخزونة من أجل البيع أو المبيعة أو المسلمة (14).

-   أو في هويتها وذلك بتسليم بضاعة غير البضاعة المعينة التي كانت محل العقد ويحكم وجوبا بعقوبة الحبس إذا ارتكبت الجنحة أو وقعت محاولة ارتكابها بواسطة بيانات مدلس فيها تحمل على الإعتقاد أن الأمر يتعلق بعملية سابقة صحيحة أو بمراقبة رسمية لاأصل لها أوبواسطة موازين ومقاييس مزيفة أو غير صحيحة أو مناورات أو أساليب تهدف إلى تزييف عمليات الوزن أو القياس أو التحليل أو المعايرة.

 ثالثا : بخصوص ضمان  حرية الإختيـــارللمستهلك :

إذا كانت حرية الإختيار محدودة في ظل كل قوى الضغط والحث على الإستهلاك السائدة في مجتمعات اقتصاد السوق (15)، فإن قانون زجر الغش في البضائع عاقب كل من حاول المس بحرية هذا الإختيار بالتحريض على استعمال منتجات ومواد مزيفة المبينة في الفصل 5 الفقرة الأولى بواسطة أضابير أو مناشير أو بيانات وضعية أو ملصقات أو إعلانات أو تعليمات كيفما كان نوعها أو أي طريقة أخرى من طرف الإعلان سواء كانت شفوية أو بصرية أو سمعية بصرية .

وتحدد العقوبة بغرامة من 2000 إلى 7200 درهم هذا فضلا على إمكانية أمر المحكمة المرفوعة إليها المتابعة بالكف عن الإعلان محل النزاع عاجلا بالرغم من جميع طرق الطعن ( انظر الفصل 10 من القانون).

 رابعا : ضمان حق مستهلك البضائع في الإنصات إليه :

لقد جاء القانون 13.83 بمجموعة من الإجراءات المسطرية وكذا أوكل اختصاص القيام بأعمال البحث والإثبات إلى مجموعة من السلطات.

فعلاوة على ضباط الشرطة القضائية، يباشرالبحث عن المخالفات لأحكام القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه :

-                 المحتسبون في نطاق اختصاصهم.

-                 موظفو ومأمورو زجر الغش المحلفون.

-                 المأمورون المعتمدون خصيصا لزجر الغش من لدن الوزارة المعنية ( وزارة الفلاحة) ؛ هذا بالإضافة للأشخاص المحلفون التالين أثناء مزاولة مهامهم :

-                 البياطرة مفتشو تربية المواشي.

-                 مفتشو الصيدلة.

-                 المأمورون التابعون لمكتب التسويق والتصدير ( آنذاك).

-                 مهندسو الصحة والأطباء مديرو المكاتب البلدية للمحافظة على الصحة وتقنيو المحافظة على الصحة والتطهير.

-                 مأمورو الجمارك والضرائب غير المباشرة (16).

     فالمستهلك لايمكنه التعاطي مباشرة مع الخروقات التي يمارسها المهني بائع البضائع إلا باللجوء إلى هذه الأجهزة والإستفادة من ترسانتها البشرية والتنظيمية القادرة على حسن الإستماع إلى المستهلك والقيام بما يلزم لحمايته من المهنيين الغير النزهاء .   هذا عن مستهلك البضائع فماذا عن الحماية الجنائية لمستهلك الخدمات ؟

المطلب الثاني : الحماية الجنائية لمستهلك الخدمات : الإشهار حصرا

قد يعتقد القارئ بداية أن قانون 13.83 ينظم حصرا البضائع إلا أن ذلك غير صحيح لكون تسمية الظهير جاءت لاتنطبق تماما مع مفهوم القانون الذي ينظم خدمة وحيدة ألا وهي الإشهار التي تعد من ركائز المجتمع الإستهلاكي؛ مع الإشارة أن الإشهار المضلل أو الكاذب يعتبر سببا من أسباب الإضطراب الإقتصادي وليس فقط مجرد اعتداء على مصالح الأفراد (17). ويشكل الفصل10 من ظهير زجر الغش الفصل الوحيد الذي يحكم الإشهار الكاذب في المغرب كنص خاص يعاقب على هذا النوع من الإشهار(18) ؛ جاء فيه :

 " يمنع كل إعلان مهما كان شكله يشتمل على ادعاء أو بيان أو عرض كاذب أو من شأنه أن يوقع في الغلط بشأن أحد العناصر الآتية : وجود السلع أو الخدمات وطبيعتها وتركيبتها وجودتها ومحتواها من العناصر المفيدة ونوعها ومنشأها وكميتها وطريقة وتاريخ صنعها وخصائصها وأثمان وشروط بيعها وشروط أو نتائج استعمالها وأسباب وأساليب البيع أو التسليم أو تقديم الخدمة ومدى الإلتزامات وهوية أو صفة أو أهلية الصناع والباعة والمستثمرين والمعلنين ومنجزي الخدمات. ويمكن أن تأمر المحكمة المرفوعة إليها المتابعة بالكف عن الإعلان محل النزاع عاجلا بالرغم عن جميع طرق الطعن ، وذلك بناء على طلبات وكيل الملك . ويمكن طلب رفع المنع إلى المحكمة التي حكمت به كما يمكن الطعن في رفض المنع بالطرق العادية.  وينتهي المنع في حالة الحكم بعدم المتابعة أو البراءة.

ويمكن أن تأمر المحكمة في حالة المؤاخذة بأن ينشر على نفقة المحكوم عليه بيان يعيد الأمور إلى نصابها طبق نفس الكيفيات وفي نفس الأماكن التي تم فيها الإعلان الكاذب. ويكون المعلن المباشر للإعلان لحسابه مسؤولا بصفة أصلية عن المخالفة المرتكبة. وإذا كان المخالف شخصا معنويا ألقيت المسؤولية على مسيريه ويعتبر أن هناك جنحة بمجرد مايقع الإعلان أو يتسلم أو يتلقى في المغرب.

ويعاقب على المخالفات لأحكام هذا الفصل بغرامة من 200 إلى 7200 درهم".

وإذا كان ظهير 5 أكتوبر 1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع القانون الوحيد الذي يحكم الإشهار الكاذب، فانه  يبقى غير كاف أمام التطور السريع الذي يشهده عالم التجارة والصناعة بظهور أشكال متعددة من الإعلانات التجارية أحدثها الإشهار عن طريق المقارنة(19).

قياسا جاء في حكم المحكمة التجارية بالدار البيضاء :

" وحيث إن المحكمة بعد اطلاعها على الشريط المدلى به ومعاينتها لما تضمنه الإشهار موضوعه ،تبين لها أن هذا الإشهار تضمن فعلا مقارنة بين منتوجين من زيت الذرة وأنه لئن كانت القنينة موضوع المقارنة مغطاة بستار إلكتروني إلا أن شكلها المميز واللون الأصفر للغطاء الذي تضمنته وكذا التلميح إلى رسم الذرة الواردة بها والتي تنفرد به الشركتين طرفا النزاع دون غيرهما عن باقي المنافسين في السوق المغربية كلها معطيات لاتدع مجالا  للشك في كون المقصود في الإشهار هو قنينة زيت عافية.

 وحيث إنه إذا كان الإشهار حق معترف به قانونا لكل منافس بهدف التعريف بمنتجاته ومميزاتها وخصائصها عن غيرها من المنتجات المماثلة المعروفة في السوق فإن ذلك يجب أن لايخرج على نطاق أخلاقيات التجارة.

 وحيث أن الإشهار موضوع الدعوى تضمن تلميحا صريحا لمنتوج المدعية بهدف ترسيخ انطباع سيء عن هذا المنتوج والتشهير به أنه منتوج يشتمل على بيانات كاذبة وأن من شأن ذلك المس بمصداقية الشركة المدعية في السوق والإساءة إلى سمعتها وتحويل الزبناء عن منتوجاتها وانصرافهم عنها كنتيجة حتمية للإشهار المذكور وهو مايجعله يدخل في نطاق الإشهار الممنوع ......لهذه الأسباب حكمت المحكمة ... الأمر بإيقاف بث الإشهار موضوع الدعوى ... ونشر الحكم بعد صيرورته نهائيا في جريدتين باختيار المدعية وعلى نفقة المدعى عليها... " (20).

 و في نظرنا أن على القضاء الزجري سلوك مسلك القضاء التجاري أعلاه،  وهو بطبيعة الحال رهين كذلك بتحريك المتابعة. 

هذا عن الحماية الجنائية لمستهلك البضائع والخدمات في إطار القانون 13.83 فماذا عن حدود هذه الحماية ؟

 المبحث الثاني : حدود الحماية الجنائية للمستهلك في إطار القانون 13.83

يرى بعض الدارسين أن شيخوخة بعض القوانين ( بما فيها القانون 13.83) الــــذي يجد مـــــصدره فــي القانون الفرنسي) الصادر بتاريخ 1 غشت 1905 المشار إليه أعلاه) يؤهل القضاء المغربي لأن يلعب دورا كبيرا في حماية المستهلك(21)  . لكن القضاة وأمام تراكم القضايا ينظرون إلى ملفات زجر الغش على أنها بسيطة ويلجؤون إلى فرض الغرامات بدل العقوبة الحبسية؛ كما أن القانون ذاته يشكل عنصر لاتوازن لصالح المهني المخالف الذي يستفيد من تضخم الحقوق المقررة له في ذلك القانـــــون  ( المطلب الثاني)

هذه النواقص تكرسها عدم راهنية القانون بالنسبة للمخاطر الجديدة على صحة وسلامة المستهلك ورضاه      

        ( المطلب الأول)

 المطلب الأول : عدم راهنية القانون 13.83 بالنسبة للمخاطر الجديدة على صحة وسلامة المستهلك ورضاه

أود أن أشير بدءا أنني لن أتطرق إلى المخاطر الكلاسيكية التي تهدد سلامة المستهلك والمرتبطة بالتسممات الناتجة عن البكتيريا أو المواد الكيماوية أو الهرمونات  (22) بل إلى الخطرالداهم الذي يمكن أن تسببه المواد المعدلة وراثيا على صحة وسلامة المستهلك ( الفقرة الأولى) قبل أن أتطرق إلى نوع جديد من المخاطر التي تهدد رضى المستهلك و المرتبطة بالتجارة الإلكترونية ( الفقرة الثانية)

 الفقرة الأولى : عدم راهنية القانون13.83  بالنسبة للمخاطر الجديدة على صحة وسلامة المستهلك

لقد انتشرت في الأسواق العالمية أصناف كثيرة من الأغذية المعدلة وراثيا والتي أصبحت تستورد على شكل أغذية تضم مختلف الأصناف كالخضراوات واللحوم والأسماك وغيرها .

 ولايقتصر بيع هذه الأغذية في أسواق الدول النامــــية فقـــط بل امتدت حتى إلى الأسواق الأوروبية (23) التي تعد أول

شريك اقتصادي للمغرب.

 هذا الأخير قد تنبه منذ سنة 1999 إلى مخاطر الأغذية المعدلة وراثيا على صحة المستهلك حيث أصدرت وزارة الفلاحة مذكرة (24) موقعة من طرف كل من مدير مديرية حماية النباتات والمراقبة التقنية وزجر الغش ومدير مديرية تربية المواشي موجهة إلى رؤساء أقسام المراقبة والجودة في الحدود ورؤساء مصالح زجر الغش ورؤساء المصالح البيطرية تهيب بهم اعتبارا لمبدأ الإحتراس (25)  أن لايرخصوا بدخول أي أغذية تتضمن مواد معدلة وراثيا.

لكن السؤال المطروح هل يمكن تطويع مقتضيات القانون 13.83 لتستوعب زجر استعمال وبيع المواد المعدلة وراثيا ؟

الجواب هو أنه يصعب ذلك للأسباب التاليـــة :

- الفصل الأول من القانون13.83 يتحدث عن مغالطة المتعاقد في جوهر الشيء وهو مقياس يختلف تماما مع معايير التكنولوجيا الحيوية التي تعتمد على تغيير خصائص وبنية الخلية .

- الفصل الثاني من القانون13.83 يتحدث عن ارتكاب الخداع أو التزييف أو التدليس بواسطة منتجات أو معالجات فيها خطر على صحة الإنسان ... في حي