المؤلفان

 

 

الأستاذ محمد فائد

 دكتوراه الدولة في الصناعات الغذائية

دكتوراه  في علم الأحياء الدقيقة بفرنسا

أستاذ باحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة،

قسم الصناعات الغذائية.

 

الدكتور بوعزة خراطي

دكتوراه  في الطب البيطري

طبيب بيطري بمديرية تربية المواشي بوزارة

الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري.

 

 

 

 


توطئة

 

إن المجتمعات لا ترقى ولا تتقدم إلا بقيمها وأصولها، ونضج أفرادها، ولا تكتمل سعادتها إلا باحترام تراثها وتقاليدها وقيمها. وكلما ابتعدت عن حقيقتها، كلما ذلت وذهبت ريحها. وقد تنهزم القوة أمام القيم، كما قد تقوى الأمة بقيمها وحقيقتها. فلن تنتصر أمة بسلاح غيرها، ولن تركب سفينة التقدم إلا بمكوناتها ورصيدها العلمي. وبتخريب القيم وطمس الهوية، تصبح الأمة مهينة مترددة، فترجع إلى التقليد والاتباع والخضوع، وتتخذ نمط عيشها من غيرها، فتبتعد عن أصالتها وحقيقتها، وكلما ابتعدت عن حقيقتها كلما فقدت القدرة على الوجود بنفسها، ولن تعود إلى أصلها لجهلها بمكوناتها، فتهين وتذل ويكثر فيها الفساد والحزازات والصراعات، وتضطرب فيها الأفكار، وتذوب فيها الهوية.

 

والفرق بين الدول المنتجة والدول المستهلكة، هو الفرق نفسه الذي نجده بين التقدم والتخلف. وليس الإنتاج وحده هو الذي يجعل الدول المصنعة تزدهر، وإنما هناك عوامل اجتماعية محضة، ولو أن بعض المحللين يرون أنها سياسية. ذلك أن بقاء السيادة لهذه الدول المنتجة، يحتم عليها نهج سياسة قاسية، لجعل الطرف الآخر يبقى ضعيفا في ميدان الإنتاج، فتحتكر آنذاك السوق وتقطع الطريق على الدول الأخرى. وأصبح السلاح الاقتصادي أقوى وأبشع من السلاح الحربي. حيث أصبح يستعمل من طرف الدول القوية للحصول على كل ما تسعى إليه من بلدان الشرق وافريقية وآسيا. ونرى أن الإعانات ليست إلا تمهيدا لفرض التبعية، وليس الدعم المادي لبعض المشاريع إلا حدا حاجزا لتقدم واستقلال الصناعة والتجارة في هذه البلدان. وهو وجه آخر للاستعمار الجديد أو الاستعمار الحضاري.

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مقدمة عامة

 

يتميز المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات بمصدر الشرع، الذي يأتي من الله. وقد جاء الإسلام بكل المقومات التي لا يصيبها الخلل، لكونها من مصدر إلهي. ولهذا فإن الإسلام لم يترك وقيعة من وقائع الحياة العامة، ولا حكما من أحكام الناس، إلا بينه بالتفصيل والتدقيق. وقد أزاح العلماء في صدر الإسلام، كل الشبهات عن الأحكام التي تخص القضاء، وتنظيم المجتمع، وحفظه من الشوائب، وتحصينه ضد كل فساد، اجتماعي، أو أخلاقي، أو صحي، أو اقتصادي. وقد بينت السنة النبوية الشريفة، كل الأمور التي من شأنها أن تكون موضوعا للخلاف والفتن بين الناس، لتجعلها واضحة، ولم تترك مجالا لمن يريد التشكيك في شرع الله، أو يحاول النيل منه. ومن بين هذه التنظيمات ما يخص الخالق، وهو ما لا يجوز تركه، ولا يقوم الدين إلا به، كما أن منها ما يخص البشر، وهي الأمور التي تقام فيها الحجة بالأحكام الشرعية، ويرجع فيها إلى القرآن والسنة، أو يترك فيها الاجتهاد للعلماء.

 

ولا يمكن أن نجد حالة أو وقيعة واحدة تركها الشرع الإلهي بدون بيان أو توضيح. أما القول بأن هناك بعض الوقائع الاجتماعية أو النوازل التي ظهرت في العصر الحديث، والتي لا تجد ما يقابلها في الشريعة الإسلامية أو تتجاوزها، فداك أمر مستبعد ومستحيل، لأن الخطأ ليس في الشريعة، وإنما في تطبيق الشريعة، وهذا التطبيق يجب أن يكون من لدن من يتصفون بالعلم والفقه في آن واحد. ونضيف أنه من المستحيل ألا يكون هناك في الشريعة، ما يتناسب مع العصر، لأن الذي أنزل القرآن، كان يعلم أن هذا العصر سيحل، وقد أنزل الدين كاملا.

 

وربما لا نجد مبررا لظهور الجمعيات الحقوقية في المجتمع الإسلامي على الخصوص، لأن ظاهرة الجمعيات الحقوقية تولدت على إثر ظهور الجور والظلم في المجتمعات الغربية. ولذلك يعتبر ظهور الجمعيات الحقوقية دليلا قاطعا على الفراغ الروحي، والافتقار إلى ما ينصف الأمة من الخطأ البشري، ودليلا كذلك على أنها أصبحت غير محصنة ضد القهر والظلم والاستعباد والجور، ولذلك يتحتم ظهور أسلوب جديد، يتناسب مع حضارة العصر، بعدما تلاشت المؤسسات الأخرى كالأحزاب، والمنظمات، والنقابات. أما ظهور الجمعيات الحقوقية في البلدان الإسلامية فيعتبر تناقضا واضحا مع الشريعة الإسلامية الكاملة، التي تضمن حقوق الفرد والمجتمع، وتقيدها بضوابط شرعية، تابتة في الزمان والمكان.

 

وقد أصبحت قضية حماية المستهلك، من القضايا الشائكة والمستعصية في العصر الحاضر، على كل المؤسسات والأجهزة المكلفة بالسهر على ضمان الحد الأدنى لسلامة المواطن من الآفات، وليس هناك من يقوم  بهذه المهمة على الوجه الأمثل كما هو الشأن بالنسبة لكل دول العالم. ولا يرتبط هذا العمل الإنساني بالحضارة والتقدم. وإنما يرتبط بماهية الأمة وهويتها. فالضمير البشري لا يراقب إلا بالتقوى، إذ في غيابها تظهر الفوضى والظلم رغم وجود الترسانة القانونية الضخمة.

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب الأول

 

الوجهة الشرعية للعناية بالمستهلك

 




الفصل الأول:  الحسبة

 

1 - مقدمة

 

قد يغيب على المرء أن يتصور وجود نظام يعنى بحماية المستهلك في الشريعة الإسلامية في الوقت الحاضر. وقد استولت الأنظمة الجديدة في ميدان المراقبة على عقول الناس. بل أكثر من هذا أن القوانين الوضعية، أصبحت ممنهجة ومتداولة بين الناس، في الوقت الذي تستبعد فيه الشريعة الإسلامية. ويمكن القول أن هناك انفصام كبير فيما يخص البحث في هذه المسألة من الناحية الأكاديمية. فالمشرفون على المراقبة من الناحيتين القانونية والعلمية  يفتقرون إلى الشريعة الإسلامية، وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن الجهل بالشريعة  يؤدي إلى تبني القوانين الوضعية الغربية، والتي أخذت منها جل الدول العربية، وأصبحت مرسخة لديهم إلى درجة القداسة. ونلمس هده العقدة لما نتصفح كتب القانون لنجد أن كلمة فقيه تستعمل طولا وعرضا، وأن القواعد القانونية أصبحت تفوق بكثير القواعد الفقهية بالمعنى الصحيح عند دارسي القانون، ونرى أنه آن الأوان لتصحيح هذه الافتراءات والتضليلات قبل أن يصححها علماء الغرب.

 

ونحيل كل من يريد التعمق في النصوص، إلى نظام الحسبة في الشريعة الإسلامية، ليشفي غليله وليتيقن أن الحل الأخير لمراقبة وضبط المعاملات، يوجد في نظام الحسبة. وأن هذه تحول دون وقوع كل ما من شأنه أن يحدث خللا ، أو يتسبب في أي ضرر للمجتمع والفرد على حد سواء.

 

2 -  تعريف الحسبة

 

لقد أدخل فقهاء الإسلام الأوائل الحسبة ضمن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف. ويعرفها الماوردي بأنها أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. ونجد نفس التعريف عند ابن خلدون حيث يقول أنها وظيفة دينية، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويركز ابن خلدون على أنها وظيفة دينية لأنها تعمل بالشرع الإلهي، وتشترط الحكم بالشريعة.

 

ولا شك أن الإطار العام للنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، هو القاعدة العامة لإصلاح المجتمع. ونقف عند هذا الإطار الذي جعله الإسلام، من باب الإصلاح عن طريق المجتمع المدني، وليس عن طريق السلطة. وقد أصبح الآن دور المجتمع المدني جليا في كل الأمور الخاصة بالحياة العامة، ونرى أن الخطاب القرآني خطاب عام لكل الأمة، ولا يخص أولياء الأمور وحدهم، وهو الشيء الذي يجعل منه أسمى نص يراعي حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، ويعطيه الحق الشرعي في إصلاح أحواله بنفسه. يقول الجليل في محكم كتابه العظيم

 

    

                                                  آل عمران، الآية

 

وجاء كذلك في صحيح مسلم الحديث 70 من كتاب الإيمان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". فالنهي عن المنكر الذي جاء في الآية الكريمة يدخل في باب منع وقوع الفعل، وهي أسمى حالات حفظ المجتمع من الأخطاء البشرية، التي ترتبت عنها شوائب في المجتمع، و تغيير المنكر الذي جاء في الحديث  يغير إصلاح الخطأ لما يقع، وهي الحالة الثانية لحفظ المجتمع، من تماديه في المنكرات والانحرافات.

 

ونظام الحسبة وضع إلى جانب العلاقات الأخرى، التي تجمع بين أفراد المجتمع، كالبيع والشراء والقضاء وكل الأحكام الأخرى. ونرى أن هذه الأمور، التي تتجلى في الشرع، تجعل من المستحيل فصل الدين عن الحكم. وقانون الحسبة، يعتبر وظيفة المجتمع كله، وليس وظيفة المحتسب المكلف، أو الهيآت المشرفة والمكلفة بذلك، وهذا ما يجعلنا نتناولها في إطار المجتمع المدني. وقد شرع الله الحسبة، لأنها تدخل في باب تغيير المنكر، وهو فرض كفاية على الأمة المسلمة. وقد فرق بعض العلماء، بين الحسبة العامة الموكولة إلى كل فرد مسلم، والحسبة الخاصة الموكولة إلى المحتسب، الذي يعين من لدن الحاكم.

 

ويدخل في الحسبة كل الأمور المتعلقة بالحياة العامة للناس. فالمحتسب مصلح اجتماعي وأخلاقي، وليس شرطي كما هو الشأن بالنسبة لرجال المراقبة. ولكي يصلح المحتسب المجتمع، يجب أن يكون صالحا عارفا بأحوال الناس، والحياة العامة، ومؤهلا تأهيلا أخلاقيا ودينيا وعلميا واجتماعيا. ولذلك لا تتوفر شروط المحتسب إلا في قليل من الناس، لأن الأمر يدعي الإلمام بأحوال الناس وقضاياهم من مختلف المعاملات. ويقتضي عمل المحتسب تجربة وأخلاقا واستقامة، فوق المؤهلات المعرفية والعلمية المكتسبة.

 

ومن الأمور التي أشرنا إليها، والتي تدخل في الحسبة، يقول ابن تيمية: "يأمر المحتسب بالجمعة والجماعة وصدق الحديث وأداء الأمانة، وينهى عن المنكر من الكذب، والخيانة، وما يدخل في ذلك، من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات والبياعات والديانات ونحو ذلك".

 

وقد حفظتنا الشريعة الإسلامية وحصنتنا بنظام الحسبة، الذي يضمن للمستهلك كفرد في المجتمع، كل حقوقه، وليس كفرد عادي فقط، وإنما كذلك التاجر والمنتج والصانع والمنقل للسلع والجالب الخ. ولم تترك الشريعة مجالا للشبهة، فيما يخص الأحكام المتعلقة بالمعاملات. بل تظهر الأمور واضحة، لأن الحكم جاء على أساس مبدئي، وليس على أساس الحالات الخاصة، أو الظرفية، أو المسائل الطارئة، كما هو الشأن بالنسبة للقوانين الوضعية. وهناك فرق شاسع بين الحالتين: ففي الحالة الأولى يكون الحكم غير قابل للتغيير، قياسا على المبدأ، بينما يكون الحكم قابلا للتغيير في الحالة الثانية، لأنه وضع على قياس متغير.

 

لنعطي مثالا حيا على ذلك: لقد حرم الإسلام الربا مبدئيا وليس ظرفيا أو نسبيا. وبما أن مبدأ الربا حرام، فلم تبقى شبهة في التطبيق أو التشريع. وبهذا المبدأ لا يمكن أن نناقش النسبة المئوية، التي قد يرى البعض أنها مقبولة، أو ما شابه هذه التخمينات، لأن المبدأ حرام. وهذه القوة في الحكم، تجعل المشرع ينظر إلى حل آخر وليس هناك حل، إلا أن يدخل الممول كطرف في الصفقة، فيتحمل آنذاك الربح والخسارة. وهذا هو الحل الأنسب والعادل، لأن في هذه الحالة يتحمل صاحب رأس المال حقه  في الربح، كما يتحمله في الخسارة، بينما لا يتحمل الخسارة في المعاملة بالربا. ويبقى رابحا، سواء ربحت الصفقة أو فشلت، وهو عدم التكافؤ، الذي يؤدي إلى الإفلاس حتما عند جل المقترضين بالربا.


3 -  أركان الحسبة

 

أ- المحتسب

 

حاول الماوردي توضيح بعض مهام المحتسب، فقسم الوظائف إلى قسمين:

الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

 

وقسم كذلك الأمر بالمعروف إلى ثلاثة أقسام:

ـ  ما يتعلق بحقوق الله كترك صلاة الجمعة، وكل تقصير قد يحدث في العبادات.

- ما يتعلق بحقوق البشر، كبناء المساجد، وتحصين المدينة، وكمطل الحقوق،

وتأخير الديون.

- الأمور المشتركة بين الفئتين، أي حقوق الله والبشر، وهي الحقوق المتداخلة.

 

وقسم النهي عن المنكر كذلك إلى ثلاثة أقسام:

ـ إنكار حقوق الله وفيها:

·        ما تعلق بالعبادات كالبدع.

·        ما تعلق بالمحظورات كالتعرض لمواقف الريب ومظان التهم.

·        ما تعلق بالمعاملات كالبيوع الفاسدة والزنى.

ـ إنكار حقوق البشر المختصة، كالتعدي على الجار، أو دويه، وكتقصير أهل الصنائع في صنعتهم، أو الغش في العمل بالنسبة للخدمات.

ـ إنكار الحقوق المشتركة بين حقوق الله وحقوق البشر كالإشراف على منازل الناس وإزعاج الجيران.

 

ب- المحتسب عليه