الأخطار التي تهدد المستهلك

 

 

 المياه

 مقدمة

لقد عرف الإنسان قدر هذه المادة من القدم، خصوصا في المناطق الحارة والجافة، وكان الناس يتجمعون حول نقط الماء من مجاري وبحيرات ووديان وعيون وأنهار. ولا يمكن للناس أن يرابطوا في الأرض الجذباء. وإنما نجد أغلب المدن الكبرى عبر العالم، تكونت بسبب تجمع الناس حول مجاري المياه حتى نشأ هناك عمران.

 

ولا يمكن أن نتصور حياة بدون ماء، وقد يدرك الإنسان مدى هذه الأهمية حين يفقد هذه المادة. وقد تزداد استعمالاته بتزايد النشاطات اليومية والاحتياجات الحيوية والاقتصادية، والماء هو المادة الوحيدة التي ليست ملكا لأحد، ولم تكن في حوزة شخص أو بلد مند القدم، وإنما كانت المجاري تعتبر لكل الناس، والعيون والآبار تستعمل بدون أداء ولا ضريبة، لأن الماء يعتبر من خيرات البلاد الطبيعية، وشيئا فشيئا بدأ يقل ويتلوث حتى أصبح لا يستعمل إلى بعد معالجته. ونعلم جميعا أن توزيع الماء في القديم، بل في أوائل هذا القرن كان يضخ مباشرة من المجاري والعيون والآبار، لكونه خاليا من الأخطار، لكن مع تكاثر السكان والتقدم التكنولوجي في شتى الصناعات جعل الماء يتلوث، حتى أصبح من غير الممكن توزيعه مباشرة على السكان دون معالجة، والتي قد تكون صناعة ثقيلة في بعض الأحيان، وتكلف أموالا طائلة، وخبرة عالية ليكون الماء صالحا للشرب. وقد طغى كذلك مشكل تحلية المياه الشروبة على الساحة حتى أصبح موضوع الساعة، وشأنا كبيرا من شؤون البلاد.

 

ومن الجرائم التي جناها التقدم التكنولوجي على الإنسان، الإخلال بالبيئة بصفة عامة، وتلوث المياه بصفة خاصة. ولجعل المرء يشعر بمدى أهمية هذه المادة، التي لازال في غفلة عنها، نتساءل: هل نستطيع أن نعيش بدون غسل، وهل يمكن للإنسان أن يعيش بدون تنظيف المنزل والأواني والثياب وما إلى ذلك؟ وكل هذه الأوساخ التي تذهب مع الماء ترمى في المجاري أو في البحار، ومن تم فكلما ازدادت استعمالات الماء ازداد التلوث، وظهرت بعض الحوادث المضرة.

 

ولا يمكن أن نشرب أي ماء في الوقت الحاضر، إلا لما يخضع لمراقبة الخصائص والمواصفات التي تضمن سلامته، وتجعله غير مضر بصحة الإنسان .وهناك عدة أمراض وأوبئة قد تنقل عبر الماء الملوث، كما أن هناك العديد من الإصابات التي تأتي عبر الماء الملوث ونشير إلى أن المشكل سيزداد حدة، وسيكلف كثيرا إذا لم تعطيه الأوساط المكلفة ما يستحقه من الاهتمام.

 

2-  مواصفات الماء الصالح للشرب  Safe water standards

 

تتمثل الشروط الطبيعية للماء في اللون والرائحة والنكهة والتعكر. وتتأثر هذه الصفات بوجود عناصر كيماوية أو عضوية، كالطين، والغازات الذائبة، والفضلات، والنفايات العضوية، أو قد توجد عناصر حيوية، كنمو بعض الطحالب أو النباتات أو الحيوانات أو الجراثيم، ولذا وجب وضع قانون صحي، يشرع المواصفات الكيماوية والحيوية للماء الصالح للشرب.

ونعطي بعضا منها بصفة عامة دون التدقيق في الخصائص والمواصفات الحيوية للمياه الشروبة:

أ-  يجب أن يكون الماء خاليا من المواد المعكرة، وخاليا من الروائح، والطعم الغير العادي، أو المقصود وكذا اللون.

ب- يجب أن لا يتعدى العسر قيمة 50 جزء في المليون )  (Soft water

ج- يجب أن يكون الماء خاليا من جميع الجراثيم المرضية. ونذكر الأنواع المحتملة الوجود في الماء والمضرة بصحة الإنسان. ومنها الأنواع التالية: جرثوم حمى التايفويد (S. typhosa)  والشبيهة بالتايفويد وتسببها الأنواع الأخرى. ثم جرثوم الكوليرا الأسيوية Vibrio comma وجرثوم الإسهال (Dysenterie) Shigella dysenteria وبعض الطفيليات Entamoeba) hystolytica). ويحتمل وجود هذه الأنواع في المياه الملوثة ببراز الإنسان أو فضلات الحيوانات.

د- يجب أن يكون الماء خاليا من الرصاص أو بمستوى مسموح به، وكذلك الأملاح الأخرى كالنايترت والمعادن الثقيلة.

ك - يجب أن يكون الماء خاليا من المواد المشعة، والهرمونات والمبيدات.


 

3 -  تلوث المياه الشروبة

 

أ- الرصاص:

 يرجع خطر هده المادة لاستهلاكها بكمية قليلة جدا، لكن لمدة طويلة، حيث يتسبب هذا الوضع في ظهور مرض مزمن ينتهي بالموت.

يستهلك الإنسان الرصاص بصفة طبيعية وفي كل يوم  في المواد الغذائية والماء والغبار. ويتخلص الجسد من هذه المادة عن طريق التبول، والبراز.

 

وحسب المنظمة العالمية للصحة، ومنظمة الأغذية والزراعة، فإن تجاوز قيمة 1 مغ في اليوم يثير الانتباه، لأن قدر 2 مغ في اليوم يؤدي إلى إصابة الشرايين والكليتين. وتتلوث المياه بطرق عديدة منها:

-  الغبار المحمل بالرصاص الناتج عن المواد الصناعية.

-  استعمال أدوات وأواني منزلية من الرصاص.

-  بعض المواد الغذائية المحضرة في أواني من الرصاص، أو معلبة في أواني من الرصاص.

-  قنوات المياه الصالح للشرب. وهذا شيء جاري، لأن توزيع المياه داخل المنازل، يتم بواسطة قنوات رصاصية، لتسهيل عملية الترصيص. وليس هناك ما يمنع الشركات وأصحاب الحرف ومنهم الرصاصون، من استعمال هذه القنوات داخل المنازل. وبما أننا بصدد توجيه المستهلك، فإننا ننبه إلى ضرورة تفادي استعمال الرصاص، في كل ما يتصل بالأغذية والماء.

 

 - استعمال بعض المبيدات المحتوية على الرصاص.

 - وجود الرصاص في بعض المواد البحرية إلى جانب بعض المعادن الثقيلة الأخرى.

 - المجاري ومحطات المعالجة التي تقترب من الطرق الرئيسية والطرق السيارة. وتتلوث هذه المواد من جراء دخان السيارات. ومن المواد التي تتأثر كثيرا من جراء الرصاص الناتج عن دخان السيارات، الماء وكل المزروعات.

 


 

ب - الأسمدة الكيماوية

في سنة 1996 حكمت المحكمة الفرنسية على شركة La lyonnaise des eaux بتعويض مالي قدره 1000 فرنك فرنسي لمستهلكيها، على توزيع ماء لا يستجيب لمواصفات الماء الصالح للشرب،  بسبب النايترايت التي كانت تصل إلى مستوى عالي.

 

وحسب القانون الفرنسي دورية 9-7-90 فإن مقاييس النايترايت محدد كالتالي:

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر النايترايت                  التركيز            الإجراء

------------------------------------------------------------------

البروتينات الحيوانية والنباتية      50-100 مغ     مقبول *

الأسمدة                              فوق 100 مغ      ممنوع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       * ماعدا النساء الحوامل والصبيان دون السادسة

 

لقد تبين أن استهلاك النايترايت غير مضر للإنسان بتاتا، وبدون تحديد الجرعة ولكن تحويل هذه المادة إلى نايتريت بسبب بعض الجراثيم، هو الذي يضر بصحة المستهلك.

 

ج -  تلوث المياه بالهرمونات

مع ازدياد وتفاقم استعمال الهرمونات المانعة للحمل على الخصوص وغيرها، أصبحت المياه مهددة بالتلوث بهذه المواد الخطيرة. وبما أن المجاري يصعب مراقبتها لأسباب عدة، وبما أن المياه المستعملة ومنها مياه الصرف لا زالت ترمى في الطبيعة، وقد تصيب مجاري المياه بسهولة، فإن موارد المياه الصالحة للشرب تبقى مهددة. وتأخذ جل محطات التحلية الماء من المجاري وهو ما يزيد في محنة أصحاب معالجة المياه، وللتذكير فقط فإن الهرمونات لا يمكن إزالتها من المياه بالطرق التقليدية، كالترسب، والتخثر، والترشيح باستعمال الفحم المنشط، واستعمال الأزون وماء جافيل وما إلى ذلك من العمليات، التي تستعمل في معالجة الماء الشروب بالمواصفات الصحية المتعارف عليها.

 

د - الأخطار المحتملة

ونود أن نشير إلى ضرورة مراقبة المياه الشروبة، فيما يخص بعض الملوثات الخطيرة، التي تسبب إصابات مزمنة أو انعكاسات صحية خطيرة، والتي يحتمل أن تصيب الماء الشروب. وليست الهرمونات وحدها هي التي تشكل خطرا بل هناك العديد من الملوثات الحيوية والكيماوية والفيزيائية والنووية،  التي يمكن أن تصيب الماء. فالتحاليل التي تقوم بها المختبرات الآن، لا تتطرق إلا إلى التحاليل التقليدية من حيث الملوثات الجرثومية والكيماوية، ولا تغطي هذه التحاليل كل الملوثات، ولا ترقى إلى درجة البحث العلمي حول طرق وتحاليل جديدة، من شأنها أن تجعل المختبر والبحث العلمي على الخصوص في مستوى مراقبة أي طارئ قد يحدث بالماء. وكون هذه المختبرات تابعة لمقاييس دولية، وتعتمد على طرق ومعدات أجنبية، فلا يمكن أن تقوم بأشياء خارجة عن الإطار الذي رسمته لنفسها، وهو اتباع ما تنص عليه هذه المنظمات، وفي هذه الحالة فلا يمكن أن تكون هناك استقلالية وذاتية في تتبع المشاكل، التي يمكن أن تحدث في أي لحظة.

 

ونلاحظ أن الاعتماد على القياسات والأساليب المتبعة في الدول الغربية أصبح يقدس أكثر من اللازم، ويعزى هذا الأمر إلى جهل أصحاب الشأن بالموضوع، وربما يكون الأمر أبسط مما يتصوره هؤلاء لكن جرت العادة أن لا يهدأ بال إلا لما نستورد التقنيات والأساليب ونتبع الدول المصنعة التي لا تر في المعاملات إلا الصفقة التجارية، وربما تكون هذه الصفقة مربحة كذلك لأصحاب الشأن. وخريطة المياه في المغرب تتطلب دراسة عميقة وجدية، أما أن نعتمد على مكاتب الخبرة فهو في نظرنا أمرسخيف جدا. لأن هناك فرق بين البحث اللعلمي الميداني وتسويق البحث العلمي واستغلاله،

 

 

المواد الغذائية

- مقدمة

تنشأ التسممات والتعفنات الغذائية إثر استهلاك مواد غذائية ملوثة بالأنواع الممرضة أو بالسمينات، وهي مركبات كيماوية سامة، تفرزها الباكتيريا والفطريات على الخصوص في المواد الغذائية أثناء بقائها تحت حرارة مرتفعة لمدة طويلة.

 

وتأتي التعفنات من الحيوانات المصابة بالأمراض التي يمكن أن تصيب الإنسان، وقد تكون في أغلب الأحيان مميتة. وقد يصعب التشخيص لما يتعلق الأمر بالأمراض التي لا تعطي أعراضا مباشرة على المصاب كالسل. وتختلف هذه لأعراض عن الأعراض التي تنتج عن التسممات الغذائية.

 

وتتمثل الأعراض في القيء والإسهال، والدوران، وآلام في البطن، والضعف. وقد يكون الإسهال مصحوبا بالحمى في بعض الحالات الخطيرة كحمى التايفويد، وتتميز تسممات الليستريا بآلام في البطن في الجهة اليمنى من حيث تشبه أعراض الزائدة.  وتظهر هذه الأعراض على المصاب ساعات قليلة بعد تناوله المواد الغذائية المحتوية على الجراثيم أو السمينات. وتأخذ هذه التسممات حالات خطيرة ومفزعة عند الأطفال الصغار والشيوخ. وقد لا يفضي العلاج إلى أي شيء إذا كانت الكمية المستهلكة كبيرة، ووصل المصاب إلى المستشفى في وقت متأخر، بعد ظهور الأعراض الأولية. ولذلك نرى أن مشكل التسمم يزداد خطورة مع تهاون المصاب، وهو الشيء الذي يؤدي إلى موته.

 

وتتعدد التسممات الغذائية في النوع والخطورة، ونوع المادة الغذائية. ويجب أن نشير إلى المواد الغنية على الخصوص كاللحم والسمك والدجاج والبيض والحليب وكل المواد الحيوانية والمنحدرة من الحيوان. وهذه التسممات تأتي من الباكتيريا، وتتردد حسب الشروط الصحية لأمكنة التصنيع، وصحة المستخدمين في قطاع الصناعات الغذائية والجودة الصحية للمواد الأولية. كما أن هناك تسممات لا تظهر أعراضها وهي أخطر التسممات لما تسببه على المدى البعيد، وهو ما نسميه بالموت البطيء، وهي سمينات من إنتاج الفطرياتMycotoxine)) وتكون عادة في المواد النباتية كالحبوب والفواكه الجافة أو المجففة والزيتون والمواد المرتبطة بالدقيق والسكريات. وهذه السمينات هي التي تستحق الحذر والحيطة والمراقبة، وليست التسممات الناتجة عن الباكتيريا.

 

2 - الأمراض الناتجة عن الحيوانات المصابة

أ -  داء السل عند الأبقار

يتسبب في هذا المرض باكتيريا من نوع  Mycobacterium tuberculosis الذي يصيب الأبقار. وعندما تدبح هذه الحيوانات المصابة، و تباع اللحوم دون أن تخضع لأي فحص بيطري، يمكن انتقال العدوى  للإنسان، عن طريق استهلاك اللحوم والألبان الملوثة بهذا النوع. ويعتبر هذا الداء من الأمراض الواسعة الانتشار، والتي تصيب الإنسان والحيوان على حد سواء، والتي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان. ويقوم البياطرة في المجازر بفحص الأعضاء والجثة قبل البيع، وقد يصيب هذا المرض كل أطراف الجثة،  لكن الغالب في الحالات هو سل الرئتين. وتكون المراقبة صارمة في المجازر والمسالخ، من حيث مراقبة السل عند الأبقار والأغنام، وهي أعراض مرضية تظهر عند الفحص بسهولة إلا أن تصيب بعض الجهات الأخرى  من الجسم كالنخاع الشوكي أو العظم، وفي هذا الحالات بالذات قد تتشابه على أصحاب المراقبة.

 

وعلى إثر انتقال السل من الحيوانات إلى الإنسان جاءت المراقبة البيطرية في المجازر، وتقنين الذبح من حيث منع الذبح خارج المجازر، ومنع بيع اللحوم الغير الخاضعة للمراقبة البيطرية، وكذلك مراقبة الحليب وبسترته أو تعقيمه قبل البيع، وكان الهدف من البسترة القضاء على الجراثيم المضرة ومن جملتها  جر ثوم داء السل الذي لا يقاوم الحرارة. وقد ظهرت حالات سلالات جديدة لهذا النوع  Mycobacterium  pseudotuberculosis في فرنسا في أوائل التسعينات والتي تنتقل إلى الإنسان عبر الحليب، وهو أمر مروع بالنسبة للمستهلك لأن القانون الفرنسي يسمح ببيع الحليب الطازج الغير الخاضع  للمبسترة لكن يكون تحت شروط صحية مراقبة من طرف المصالح البيطرية. 

 

ب - البروسيلا أو الحمى المالطية

تعتبر الحمى المالطية مرضا معديا يسبب إجهاض الأبقار والماعز، وينتقل إلى الإنسان عبر الألبان والقشدة والجبن، وكل المواد الطازجة، التي لا تعالج بالحرارة كالبسترة أو التعقيم. إن الحمى المالطية من الأمراض الخطيرة على صحة الإنسان، وخاصة في بلادنا، حيث لا تزال الألبان تباع طازجة دون مراقبة الحيوانات أو قد تعالج بالحرارة كالبسترة، لكن لا تتخلص من جميع الجراثيم المضرة نظرا لجودتها المتدنية.

 

ويتعرض الإنسان إلى سلالات متعددة لنفس النوع، وهي السلالات البقرية والغنمية والماعزية. وتعطي الإصابة بهذه السلالات نفس الأعراض تقريبا، إلا أن السلالة الماعزية تكون أشد ضراوة من السلالات الأخرى. وتتراوح مدة الحضانة من 10 إلى 30 يوما، وقد تصل إلى عدة شهور.

 

وتعرف بالمرض المهني للجزارين والبيطريين ومربي الأبقار والماعز. ولتفادي تسرب هذا المرض الخطير على صحة الإنسان، فلا بد من المعالجة للمواد الخامة أي الحليب بالحرارة، والأفضل كذلك هو مراقبة القطيع ومحاربة هذا المرض عند الحيوان قبل مجيئه إلى المصنع أو المجزرة. وكذلك اتباع بعد الإجراءات للحد من هذا الأعراض.

 

ومن الأعراض التي قد تظهر عند الإنسان:

 - ارتفاع متقطع في درجة الحرارة، حيث ترتفع الحرارة لعدة أيام تم تنخفض مرة أخرى.

 - رعشة وعرق شديد.

- صداع مستمر وآلام شديدة في المفاصل، وخاصة في أسفل الظهر، والعظام والعضلات عامة.

- الخمول والشعور بالتعب والإجهاد نتيجة القيام بأي عمل.

 -مضاعفات أخرى في حالة إهمال العلاج مثل :

    *  تضخم الكبد والطحال والغدد اللمفاوية.

    *  ألم وتورم الخصيتين عند الذكور وأحيانا الإجهاض عند النساء.

    * التهاب المفاصل والعظام وصمامات القلب والمخ والأعصاب وغيرها.

 

تعتبر الحمى المالطية كذلك من الأمراض التي أوجبت المراقبة البيطرية لأنها تصيب الإنسان، وقد كانت هده الحيوانات تتلف كلما وجدت حالات من الأمراض التي تضر بحياة الإنسان ومنها الحمى المالطية. ومن جملة الإجرآت التي يجب اتخاذها:

 - التخلص من الحيوانات المصابة.

 - الوعي الصحي من قبل المستهلك وخاصة مربي الحيوانات والجزارين وعمال المجازر ومعرفتهم بطبيعة هذا المرض وخطورته وطرق انتقاله.

 - اتخاذ الاحتياطات الصحية اللازمة، من طرف مربي الحيوانات والبياطرة والجزارين.

 

ج- جدري الأبقار

يعرف هذا المرض عند العموم بمرض « السينتة »، وهو طفيلي يعيش في أمعاء الإنسان (Tenia saginata)، وعند التبرز يتلوث المحيط، وينتقل إلى الأبقار أثناء رعيها على القاذورات أو الأعشاب الملوثة، وتنقله الأبقار إلى الإنسان عبر لحوم   الحيوانات الملوثة بيرقات هذا الطفيلي والتي تتجمع على شكل كيسات في العضلات. ونشير إلى أن الرعي في مراعي ملوثة لم يعد بنفس الخطر كما هو الشأن بالنسبة لأبقار الحضيرة، التي لا ترعى في المراعي وإنما تعلف وتظل محبوسة في الحضائر.

 

ولم يبقى إلا خطر الثلوث بالأعلاف  التي  تحتوي على نفايات الحيوانات أو قاذورات، قد تتسبب في التعفن بالمرض، ويجب أن تراقب القطعان وكذلك المواد العلفية بصرامة للحد من وقوع وإنتشار المرض، وإذا دعونا إلى مراقبة القطعان فأمر هين و سهل، لكن مراقبة الأعلاف لن تكون سهلة، لذا على المستهلك أن يتحرى الجودة الصحية للحوم على مستوى المراقبة والأعلاف، وأن يتحرى معرفة اللحوم المنحدرة من حيوانات الرعي، واللحوم المنحدرة من الحيوانات المعلوفة، وكذلك العلف هل هو خلائط تقليدية لمواد طبيعية محلية مثل الحبوب والنخالة وما إلى ذلك، أم هو خلائط صناعية لمواد مستوردة. 

 

د- الجمرة الخبيثة

ويعتبر من الأمراض الخطيرة التي تنتقل إلى الإنسان عبر اللحم على الخصوص. ويتمركز جرثوم الجمرة الخبيثة  (Bacillus anthracis)في العضلات على شكل بقع أو حبوب سوداء تعرف بالفحم. وقد كان هذا المرض شائعا من ذي قبل، لكنه انخفض نسبيا حيث اندثر ولم يعد سائدا ولكن يبقى محتملا، وتكون المراقبة في المجازر سهلة لأن أعراض التفحم تظهر في اللحم. وفي حالة ما إذا تبين أن الجثة مصابة بهذا المرض، فإنها تتلف مباشرة، ويشرف على عملية الإتلاف الطبيب البيطري المكلف بالمراقبة. 

 

من خصائص الجمرة الخبيثة أنه متبوغ، ومقاوم للحرارة من حيث يمكن أن يفلت للطهي بسهولة، وممكن كذلك أن يفلت للتعقيم الحراري أثناء تصنيع المواد اللحمية، إذا كانت اللحوم ملوثة. وبما أنه ينتمي لمجموعة الباكتيريا القابلة لصبغة اغرام Gram+،  فإنه لا يقاوم المضادات الحيوية، مثل البنيسيلينات والمضادات المقترنة بها. لكن المضادات لا يمكن أن يعتمد عليها، نظرا لاحتمال ظهور بعض السلالات المقاومة للمضادات، أو نظرا كذلك لحساسية بعض الأشخاص للبنيسلين.

 

وفي حالة ظهور تعفنات بهذا الجراثيم، فإن الفحص البيطري للجثث في المجازر جد كافي لمعرفة وتشخيص المرض، حيث تتلف الجثث لكن بالنسبة للإصابة العادية الطبيعية، أما وجود جرثوم الجمرة الخبيثة خارج نطاق تعفن الحيوانات في الطبيعة فالأمر يختلف تماما ويصبح بأهمية قصوى، من حيث المراقبة والتشخيص. وككل الجراثيم الخبيثة التي تسبب الأمراض  بالتعفن المباشر، مثل جرثوم السل و جرثوم الطاعون وجرثوم الجمرة الخبيثة، فإن طرق البحث والتحاليل المخبرية تكون على أشد مستوى من الحذر، من حيث يشترط أن تكون هناك بعض القواعد الصحية التي تساعد على رفع الخوف على الأقل عن التقنيين الدين يقومون بالفحص.     

 

ه - اللحوم الملوثة بالهرمونات

 

في إطار الصراع الدائر بين الولايات المتحدة والسوق الأوروبية المشتركة حول سلامة لحوم العجول التي يتم تسمينها باستعمال  بالهرمونات، قررت اللجنة العلمية للبيطرة سنة 1999، عدم صلاحية لحوم العجول المعالجة بالهرمونات، حيث تبت وجود علاقة وطيدة بين تناول هذه اللحوم والأمراض العصبية والسرطانية والمناعية. ويتحتم على المصالح والأوساط المسؤولة أن تراقب تربية المواشي وتقنيات التسمين، وكذلك مراقبة الحيوانات في المجازر لتحري عدم استعمال الهرمونات في التسمين بالنسبة للبقر والغنم والدجاج. وطبعا يستحسن وضع قانون ينظم تربية المواشي في الوقت الحاضر لأن العلف أصبح موضوعا موضع الشبهة على إثر ظهور الأمراض الخطيرة مثل داء جنون الأبقار والحمى المالطية والتلوث بالدايوكسين.

 

و- الأرانب

من المعروف أن الأرانب تتسبب في نقل مرض التولاريميا بحملها لجر ثوم Francisella tularensis) (، وقد يصاب الأشخاص أتناء حملهم للحوم، أو أثناء استهلاكها، كما قد تتلوث اللحوم، والأواني بهذا الجر ثوم. ويأتي التعفن أو الإصابة كذلك من الماء المعفن، كماء الغسل الذي تخلفه الأماكن التي تذبح فيها الأرانب. وقد يصاب الإنسان كذلك عبر لسعات الحشرات الناقلة للجرثوم  كالذباب، وينتقل هذا المرض إلى الحيوانات التي تتغدي على الأرانب، ثم ينتقل إلى الإنسان. وعلى أي حال فالأرانب أو القنية على الخصوص، أصبحت تربى بكثرة وبطريقة عصرية صناعية، مما أدى إلى ظهور مساليخ تعالج عددا كبيرا من القنية لتصبح جاهزة للتصدير أو التصنيع بكميات هائلة، وهناك أشخاص يعملون في هذا الميدان، كما أن هناك وحدات تنتج مياه ملوثة، والتي يجب مراقبتها بحزم وصرامة، حتى لا نتوقع حدوث أي خطر من شأنه أن يتسبب في أضرار للمستهلك.  وكون الخطر ينتشر عبر الماء،  يعقد المشكل، لأن مياه الغسل المنحدرة من مساليخ القنية، يجب أن تصنف مع النفايات الخطرة، كما يجب أن تراقب مراقبة شديدة، وأن لا يسمح لأي وحدة أن تقوم بسلخ القنية إلا إذا توفرت على الشروط الصحية لذلك، وعلى دكاكين السلخ التقليدية ألا يرموا بالمياه الأخرى قبل معالجتها بالحرارة على الأقل أو بماء جافيل.

 

3 - التسممات الناتجة عن الباكتيريا

 

أ- الكريات العنقودية   Staphylococci

تعتبر هذه الباكتيريات من الأنواع الطبيعية، التي قد توجد على الأغطية والماء وفي الهواء والتربة، كما قد تأتي من جلد الحيوان والإنسان. ولكون هذه الجراثيم بيئية (موجودة في الطبيعة)، فإن تلوث المواد الغذائية يكون جد محتمل، ولذلك يجب مراعاة الشروط الصحية، التي تحول دون وجود هذه الباكتيريات في المواد الغذائية، كالبسترة أو الحد من نموها كالتبريد أو التجميد. ويجب عدم لمس الأغذية باليد، خصوصا المواد التي تستهلك مباشرة. ولعل ما يستحق الذكر لتنبيه المستهلك، هو أن تسمم staphylococcus  يتعلق بالمواد الخامة، أكثر ما يتعلق بالمواد المصبرة والمعلبة. ولذلك فإن بقاء المواد الخامة تحت حرارة بيئية، لمدة طويلة قبل المعالجة، يفضي إلى تسمم ولو تعالج هذه المادة بالحرارة. لأن الجراثيم تنمو بكثرة وتفرز السمين بقدر كبير، وحيث تعالج المادة تتم إبادة الجراثيم الحية، بينما تبقى السمينات لأن الحرارة لا تؤثر على هذه المركبات، ونشير إلى أن التحاليل الخاصة بهذه السمينات تتطلب وقتا وخبرة، ولا تتطلب معدات متقدمة. ويجري هذا على الحليب ومشتقاته واللحم والسمك والدجاج والبيض والكسكس والسجق والنقانق والخبائز. وأكثر هذه المواد احتمالا للخطر اللحم، وكل المواد التي يدخل الحليب أو اللحم أو البيض أو السمك في تركيبها ولو جزئيا.

 

ب - عصيات حمى التايفويد    Salmonella

تتسبب هذه الجراثيم في إصابة حمى التايفويد   (Typhoid)وبما أن هذه الجراثيم توجد كذلك في البيئة، فإن الخطر جد محتمل. ويزداد هذا الخطر مع وجود الحاملين لهذا الجرثوم، وهم الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض ثم شفوا منه بدون علاج، حيث يصبح الجرثوم رميا بالنسبة لهم، لأنهم اكتسبوا المناعة ضده، لكنهم يشكلون خطرا موقوتا على المجتمع بكونهم يحملون جرثوم التايفويد. ولهذا يجب مراقبة كل الأشخاص الذين لهم صلة بالمواد الغذائية، ونخص العاملين في الوحدات الصناعية للمواد الغذائية، والعاملين في المطابخ كيفما كان نوع المطبخ وحجمه، ولو في الدار، وكل الباعة وخصوصا الجزارون وأصحاب المحلبات وما إلى ذلك، للحد من وقوع الخطر، وإلا فسنظل ضحايا محتملون. ويكفي استعمال الحرارة للحد من خطر التلوث بعصيات حمى التايفويد، ولذلك يبستر الحليب لأن احتمال وجود هذه الجراثيم فيه أمر طبيعي.

 

وتختلف العلامات الحادة، التي قد تظهر على المصاب، حسب العمر والقوة والبنية وحالة الجهد أو العياء أو التعب، وهي القيء والإسهال الحاد والتشنج في البطن، والعلامة المميزة لهذا المرض هي الحمى التي تنشأ عن ارتفاع الحرارة، وقد يحس المصاب ببعض الدوران أو آلام في الرأس والعضلات. وحسب الإحصائيات فإن الوقت الذي تقضيه الجراثيم في الجسم بعد تناول الطعام قبل التفاعل وظهور الأعراض، يتراوح بين 6 إلى 48 ساعة ولا مانع في أن تظهر بعد أكثر من 48 ساعة. بعد هذه المرحلة وهي مرحلة دخول الجرثوم للجسم، يدخل المريض في مرحلة صعبة وحاسمة، تتراوح بين أسبوع وأسبوعين يلزم فيها المريض الفراش. ويقتحم الجرثوم الدم، حيث نلاحظ إما موت المصاب، أو قد ينجو من المرض، لكن يضل حاملا للجرثوم في جهازه الهضمي وبالتدقيق في المرارة وهو ما يسمى بالحامل السليم.  

 

ومن أخطر الخصائص لمرض حمى التايفويد، هو كون الأشخاص الذين أصيبوا إذا لم يموتوا، يبقون حاملين للجرثوم، ويشكلون مصدرا لهذا الجرثوم من حيث يلوثون جميع الأماكن التي يمرون بها، وهو الأمر العجيب عند جرثوم التايفويد، فقسط يموت وقسط يضل حاملا للجرثوم، حيث يتخذ من الإنسان خزانا طبيعيا.

 

وحسب الأنواع التي تنتمي لصنف Salmonella، فإن هناك مرض حمى التايفويد ويشكل أخطر الحالات، وهناك بعض الحالات الأخرى التي قد تنتج عن سلالات من نفس الفصيلة، ومنها الإصابات المعوية أو الإسهالات الحادة، دون أي تشعب للمرض، وتبقى حالات الموت جد نادرة ومرتبطة على الخصوص بالحالة الصحية والقوة البدنية للمريض ومناعته.

 

أما الأغذية التي من شأنها أن تتسبب في الإصابة بحمى التايفويد، فمتعددة وكثيرة ومختلفة. ومنها على وجه الخصوص، كل المواد الحيوانية، أو الناتجة عن الحيوان، من لحوم وأسماك وبيض وصيد، والألبان، والمياه. وتتميز هذه الأغذية، بكونها تتصل مباشرة مع الطبيعة والعنصر البشري، الذي يكون الخزان الرئيسي لهذه الجراثيم. وتشمل هذه الأغذية كل المأكولات التي تحضر باليد لاحتمال أن يكون الشخص الذي يحضرها  حاملا سليما للجرثوم، ونذكر من بين هذه المأكولات كل الأطباق التي تحضر في المقاهي والمطاعم العمومية أو الفنادق، أو المطاعم الجماعية في الثانويات، والأحياء الجامعية والداخليات والتكنات العسكرية وما إلى ذلك.

 

وقد يتعقد الموضوع، ليصبح في بعض الأحيان متشعبا، كاختلاط المواد الغذائية مثلا ببعضها، ونجد مثلا القشدة التي تدخل في العديد من الخبائز والحلويات والمثلجات، وكل هذه الأنواع من الأغذية غنية وتسمح بنمو وتكاثر الجراثيم إذا ما أصابتها أتناء التحضير. وكذلك البيض الذي يدخل في تحضير العديد من المأكولات. وحتى لو لم تكن المواد الغذائية محتوية على مواد حيوانية، فإن التحضير قد يلوثها، إذا كان الشخص الذي يحضرها مصابا. وهناك العديد من الحالات التي وجدت بسبب نساء كن يعملن في المطاعم العمومية وهن حاملات لجرثوم  سالمونيلا. وقد عثر الباحثون على جرثوم حمى التايفويد في التوت الأرضي، وفسروا هذا الحادث بأن الثلوث أتى من السماد الذي خصبت به الأرض لزراعة التوت الأرضي، بينما قد يكون ذلك أثناء الجني، حيث يتم جمع الثمار بالأيدي من لدن أشخاص مصابين بالجرثوم.

 

ج- الإصابات المعوية عند الأطفال

هناك بعض الأنواع من الجراثيم، التي لا تعتبر مضرة على العموم، لكن بعض السلالات  قد يحدث في بعض الأحيان إصابات معوية لدى الأطفال على الخصوص، وهذه السلالات تنتمي لنوع E. coli والمعروفة بالسلالات المضرة بالأطفال  EEC (Escherichia Coli Enfantil) وهي جد مترددة وتقع بكثرة. وتتخصص هذه الجراثيم في الالتصاق بالخميلة المعوية للمعي الدقيق، وتفرز بعض السمينات التي تحدث بدورها توقف امتصاص الصوديوم، وهو ما يؤدي إلى خلل في التوازن المائي، فيقع الإسهال الحاد. إذ أنه يكون بنفس حدة إسهال الكوليرا. لكنه يزول عادة بعد مضي 30 ساعة تقريبا وقد ينهك صاحبه. ورغم أن هذا الإسهال لا يعتبر عادة خطيرا في الأوساط الطبية، فإن حالات من الوفيات عند الأطفال قد سجلت في بعض البلدان بسبب هذا الجرثوم.

 

د- تسممات أو التهابات   Campylobacter

كان يعرف  نوع (Campylobacter) قديما  بتسببه للحالات البيطرية المزمنة، التي تشمل كل من الأبقار والأغنام والدجاج، لكن تم العثور حديثا على هذا النوع في الأغذية المسببة للحالات المرضية عند الإنسان، ومنها على الخصوص النزلات الإسهالية، وقد يصحب هذا النوع كل من عصيات حمى التايفويد وجرثوم Shigella dysenteria  وقد اتضح الآن، أن هذا الجرثوم يأتي من الأغذية، ويوجد بيئيا في الجهاز الهضمي للحيوانات مثل الأغنام والدجاج، وقد يوجد كذلك في البيض والحليب.

 

ينتمي نوع   Campylobacter jejuniوهو النوع الشائع، إلى مجموعة العصويات، وهي نفس المجموعة التي تضم جرثوم حمى التايفويد، ويتطلب قدرا ضعيفا من الأوكسايجين في الوسط الذي يزرع فيه. ويتطلب هذا الجرثوم مستوى جد ضعيف من الأوكسايجين لاستنباته، أما مستوى الأوكساجين الموجود في الهواء فيعتبر مبطلا لنموه .

 

ويصيب جرثوم Campylobacter الأطفال على الخصوص، البالغين سن العاشرة فما أكثر، مع احتمال إصابة كل الأعمار، وهو أمر ممكن. أما النزلة فتصيب المعي الدقيق، والغليظ على حد سواء، وتحدث إسهالا يظهر بعد 3 إلى5 أيام من تناول الطعام الملوث، وقد لا يظهر إلا بعد 11 يوما. ومع الإسهال يظهر كذلك آلام في البطن، مع تشنج الأمعاء، وحمى خفيفة، وقد يظهر أثر الدم في البراز بعد 3 أيام، وهناك بعض الأعراض الثانوية، التي قد تظهر على المصاب مثل الدوران والصداع في الرأس وآلام في العضلات.

 

ه- الليستيريا Listeria 

يرجع تاريخ الليستيريا إلى سنة 1926 حيث تم عزله من الفئران، وأطلق عليه اسم Bacterium monocytogenes وهو جرثوم يظهر على شكل عصية صغيرة، وأعطي اسم Listeria monocytogenes  سنة 1940 وضل هذا الجرثوم غير معروف على الصعيد الطبي والعلمي إلى غاية 1960. وظهرت أول حالة لمرض الليستيريا عند الإنسان بسبب الأغذية في سنة 1986 ومند هذا التاريخ أصبح هذا الجرثوم شائعا ومترددا في الحالات المرضية الناشئة عن الأغذية.

 

ومن خصائص الليستيريا أنه جرثوم بيئي، بمعنى أنه يوجد في الطبيعة، ويمكن أن يصيب الإنسان عن طريق الأغذية. ومن الخصائص التي لها انعكاس خطير، كونه ينمو تحت مستويات واسعة من الحرارة من 1 إلى 45°م وهو ما يسبب انزعاجا للصناع، لأن التحفيظ تحت البرودة سوف لا ينفع مع هذا الجرثوم الذي لا يتأثر بالحرارة.

 

 يعتبر كذلك  نوع (Listeria monocytogenes) العنصر البيطري الممرض، والمعروف عند الحيوانات، ويبدو أن هذا المرض ليس نادرا لكن غالبا ما يفلت للتشخيص لعدم معرفته من جهة، وللخطأ المحتمل في المختبر من جهة أخرى، حتى أنه في بعض الحالات الخفيفة قد يفلت تماما من التشخيص.

 

وقد يوجد جرثوم ليستيريا بالحليب، والكرنب المسمد ببراز الحيوانات، والأجبان، بما فيها الطرية والمسواة. أما المرض، فيصيب على الخصوص المواليد والشيوخ الذين تتعدى أعمارهم الخمسين سنة، والنساء الحوامل، والمصابين بالسكري والأمراض القلبية.

 

ومن الأعراض التي تظهر على المصاب التهاب الغشاء السحائي، وهو الغشاء الذي يحيط بالمخ والنخاع الشوكي، ويظهر هذا عند البالغين، أما عند الأشخاص المنهوكين فقد يحدث تسمم دموي كمضاعفة للمرض. أما عند الأشخاص العاديين، والمتمتعين بصحة جيدة، فيؤدي المرض إلى ظهور إصابة خفيفة، مع احتمال حمى ويؤدي تسرب الجرثوم عند النساء الحوامل إلى إصابة الجنين وتوقف الحمل حيث يولد المولود مصابا بتسمم دموي، أو قد يظهر عليه التهاب الغشاء السحائي في الفترة الأولى بعد الولادة، ولو أن الأم تظهر سليمة، وتصل الحالات المؤدية للموت عند المواليد إلى 30 %.

 

و- إصابة اليرسينيا

يوجد بيئيا نوع يرسينيا (Yersinia enterocolitica) في الجهاز الهضمي عند الحيوانات الأليفة مثل الكلاب، وقد يأتي هذا النوع من الأغذية المعفنة، أو من الماء. وتشمل الأغذية المحتملة للتلوث بهذا الجرثوم،  اللحوم بجميع أنواعها، والخضر، الطازجة، والفواكه، والألبان، والجبن، وينتمي هذا النوع إلى نفس المجموعة التي تنتمي إليها عصيات حمى التايفويد، وهناك بعض الأشياء التي لازالت لم تعرف عن هذا الجرثوم، وتخص السلالات من نفس النوع، التي تسبب المرض عند بعض الأشخاص، أو في بعض الحالات عند تسربها عبر الأغذية، وفي بعض الحالات الأخرى، يمكن أن تتسرب للجسم، دون أن تحدث أي مرض. أما الأعراض التي تظهر على المصاب، فمنها الإسهال والحمى وطفح في الجلد مع احتمال القيء، لكن ما يميز هذا المرض، هو الألم الحاد في الجهة اليمنى من أسفل البطن، وهو شبيه بألم الزائدة، حتى أن بعض الأطباء كانوا يظنون أنه التهاب الزائدة قبل ظهور هذا المرض، وهناك حالات تمت إزالة الزائدة وتبين أخيرا أنها إصابة اليرسينيا وليست الزائدة.

 

لم يكن هدا النوع ذا أهمية من قبل إلا في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت إصابات اليرسينيا تشكل إصابات جد مترددة ومحتملة تتسبب فيها الأغذية الطازجة على الخصوص.

 

ز- الإصابة بجرثوم الديساتيرياShigella dysenteria

يكون انتقال داء الديساتيريا من شخص لآخر أكثر احتمالا لانتقاله عبر المواد الغذائية والماء، ولكن لا نعرف ما إذا كانت هذه الطريقة معهودة في انتشار هذا المرض، ونلاحظ أن الظروف الصحية وشروط النظافة والتطهير تلعب دورا مهما في انتشار العدوى. وقد يرتفع هذا الداء نسبيا في الثكنات وخصوصا في فصل الصيف، حيث تكثر الفواكه الطرية وترتفع الحرارة. وينتمي جرثوم Shigella dysenteria إلى مجموعة الباكتيريا العصوية السالبة لصبغة اغرام، وهي نفس المجموعة التي تضم جرثوم حمى التايفويد، وتسمى هذه المجموعة بمجموعة باكتيريا الأمعاء. وهي الأنواع التي تنمو بسهولة على الأغذية، وقد تكون هذه الأخيرة إما أداة نقل للمكروب، حيث يلتصق بها، أو وسط غدائي له،  حيث ينمو عليها ويتكاثر وفي كلتي الحالتين، فالخطر موجود وانتقال المرض محتمل. أما الأغذية التي تتسبب في نقل الجرثوم إلى الإنسان، فتشمل كل الأغذية التي تروج بكثرة، وبواسطة العنصر البشري كالخضر والبطاطس والكرنب والجزر والسمك والقواقع والدجاج والفواكه الطرية والماء.

 

وبما أن الجراثيم تأتي من الإنسان، فإن الأشخاص المصابين هم الدين يوزعونه عبر الأغذية التي يتصلون بها باللمس والحمل وتحضير الوجبات. وتستغرق الإصابة مدة تتراوح بين 12 ساعة و3 أسابيع، لكن المدة المعهودة تتراوح بين 5 و6 أيام، وتظهر على المصاب أعراض تتمثل في الإسهال الحاد مع وجود أثر الدم في البراز، وكذلك تشنج وآلام في البطن وعلى عكس إصابة حمى التايفويد، فإن الحرارة لا تعرف أي ارتفاع بل يصاب المريض برعشة باردة، وقد يحس المصاب بآلام في الرأس، وضعف في العضلات مع القيء أحيانا،  ومما يميز هذا المرض، أنه يبقى لمدة تفوق أربع مرات المدة التي يقتضيها ظهوره.       

 

ح- وباء الكوليرا  Vibrio cholerae

إن وباء الكوليرا يقترن بالهلع في الميدان الطبي، وهو وباء تاريخي، لما أحدثه في الأجيال السابقة. ولا يزال يصيب بعض الجهات من المعمور، خصوصا تلك التي تنعدم أو تتدنى فيها الشروط الصحية للأغذية والماء. ولعل هذا الأخير هو الذي يمثل المشكلة الكبيرة للإصابة بوباء الكوليرا. ونتكلم عن الوباء وليس المرض، لأن هذا الجرثوم ينتقل من شخص لآخر وبسرعة، حتى أنه قد يأتي على قرية أو مدينة بكاملها. ولا يظهر هذا الجرثوم إلا في النواحي أو المناطق المزدحمة والملوثة أو الوسخة، وهي الشروط التي تساعد على انتشار واندلاع الوباء بسرعة.

 

والسائد أن جرثوم الكوليرا أو Vibrio cholerae قد يوجد في المواد الغذائية الطازجة، ومنها على الخصوص الخضر والفواكه، وهي المواد التي تتصل مباشرة بالبيئة والمياه، وقد يتسبب الماء في حمل الجرثوم إلى الإنسان، إما مباشرة عن طريق الشرب، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق غسل الفواكه والخضر الطازجة بالماء الملوث.

 

ينتمي جرثوم Viobrio cholerae إلى مجموعة الباكتيريا العصوية السالبة لصبغة اغرام، وهي نفس العائلة التي تضم عصيات حمى التايفويد. ويعتبر وباء الكوليرا من الحالات الإستعجالية التي تهز الميدان الطبي  بالرغم من أنه  مشكل لا يهم الميدان الطبي أكثر ما يهم ميدان التجهيز، ويثير هذا الجرثوم انتباه كل العاملين بالقطاع الصحي، من حيث الحذر والحيطة لظهور حالة ما.

 

ومن الأعراض التي تظهر على المصاب، والتي تميز هذا الوباء، الإسهال الحاد مع بعض الإشارات الأخرى، والتي تظهر حسب ظروف معينة كتشنج الأمعاء والقيء وآلام في الرأس، مع رعشة باردة أو حمى باردة. ولا يتعدى الوقت الذي تقتضيه هذه الأعراض، مدة 12 ساعة بعد تناول طعام أو ماء ملوث بجرثوم الكوليرا. ويؤدي الإسهال إلى ضياع كمية هائلة من الماء، وهو الشيء الذي يرهق الجسم بالجفاف، وطبعا يؤدي إلى الموت.

 

وهناك نوع آخر لنفس الصنف، والذي يسبب نفس الأعراض أي الإسهال، لكن ليس بنفس الحدة. ولا يؤدي إلى الموت ويسمى هذا النوع (Vibrio eltor) ويكنى على قرية آل ثور الموجودة على حدود الحجاز، وقد كانت  نقطة ممر إلى الحج. وكانت تمثل هذه النقطة محطة للمراقبة بالنسبة للحجاج الوافدين من بلدان أخرى، وكان لا يسمح بدخول الأشخاص المصابين بالأمراض المعدية، مثل الطاعون وعلى إثر وجود أعراض عند شخص من دوي النفوذ في بلاده، من حيث كان قائدا أو ضابطا في الجيش، وتحرج المراقبون من عدم السماح له بالدخول إلى الحجاز لأداء فريضة الحج. وأخذت عينات للتأكد من المرض، وتبين أخيرا أن الأعراض الإسهالية لم تكن بسبب وباء الكوليرا، وإنما كانت بسبب جرثوم من نفس الصنف وأطلق عليه اسم Vibrio eltor.

 

وهناك أنواع أخرى تسبب نفس الإسهالات، وقد تكون حادة في معظم الأحيان، وتأتي من نفس المواد الغذائية والماء مثل نوع  Vibrio foetus الذي أصبح Campylobacter foetus وأنواع أخرى من نفس الصنف، التي تسبب نزلات مرتبطة بالمعدة والأمعاء، خصوصا الالتهابات المعوية والمعدية.

 

ط- الباكتيريا المتبوغة Clostridium 

يعتبر التسمم الناتج عن سمينات نوع Clostridium  من أخطر التسممات الغذائية، والتي قد تسبب الموت في وقت قصير، من حيث يمكن للمصاب بهذا التسمم، أن يفارق الحياة ساعات قليلة بعد تناول الغذاء الملوث بسمين هذا النوع. ولإعطاء فكرة عن هذا السمين، ويسمى كذلك سمين البوتلين، فإن كمية قليلة تعد بالغرام قد تقضي على مجموع سكان المعمور.

 

وينمو نوع Clostridium  على المواد الغنية كاللحوم والأسماك والدجاج، ومن خاصية هذا النوع أنه مقاوم للحرارة، من حيث لا تتأثر بوغاته بالحرارة العادية، كما أن بعض البوغات قد تفلت لحرارة التعقيم التي تصل إلى حدود 120°م، وهي الدرجة الحرارية التي تعقم بها المصبرات الحيوانية كالأسماك والمصبرات اللحمية. وحيث تبقى بوغات قليلة في المادة الغذائية تنمو أتناء الخزن وتفرز سمينات بكميات مميتة. ويساعد إخلاء الهواء من العلب كما هو الشأن، على نمو هذه الجراثيم لأنها أنواع لاهوائية.

 

ومما يشكل خطورة قصوى عند هذا الجرثوم هو كونه يتبوغ، بمعنى أنه تحت الشروط الغير الملائمة للنمو، فإنه يتحول إلى بوغة مقاومة لجميع المتبطات من حرارة ومبيدات وحموضة، وهو الشيء الذي يشكل خطرا كبيرا، وهلعا بالنسبة لصناعة المصبرات الغذائية. أما تصبير السمك، فإن الصناع قد يلجؤون إلى إضافة بعض المواد الكابحة للنمو، واستعمال حرارة عالية لمدة طويلة، وهو الشيء الذي قد يفقد المادة جودتها الغذائية. أما المواد اللحمية ومنها السجق والنقانق والمصبرات الأخرى، فإن المشكل يبقى دون خطورة إذا ما تمت مراعاة الشروط الأساسية، التي من شأنها أن تحد من الخطر، وهو أمر بسيط وسهل، لكن يتطلب خبرة في الميدان.

 

ونظرا لعدم وجود خطورة بنفس الحدة بالنسبة للأسماك، فإن التسممات الناتجة عن المواد اللحمية (سجق)، تبقى هي الأكثر احتمالا للحدوث. وإذا وقعت حالات تسممية بسبب اللحوم المصبرة، فإنها غالبا ما تؤدي إلي الموت ومنتشرة نظرا للكمية التي تم تصنيعها من نفس العينة، والتي توزع في أماكن مختلفة من الوطن أو في دول أخرى عبر التصدير. ويبين وقوع هذا التسمم بسبب اللحوم مدى غياب التخصص في الميدان، وهو للأسف الشديد ليس من اختصاص الطب البشري، أو الطب البيطري، وإنما هو من اختصاص مهندسي الصناعات الغذائية. ولدينا بعض المؤشرات التي نشخص بها المشكل، وبإمكاننا تفادي مثل هذه الأشياء البسيطة التي تؤدي إلى كارثة إذا ما تهور أصحابها.

 

ونحن في ميدان علم الجراثيم الغذائية، يمكننا أن نعرف حقيقة المادة التي سببت التسمم، والشروط التي تم فيها التصنيع. ومن الأعراض التي تظهر على المصاب يمكن أن نشك في نوع من التسمم، لكن يجب فحص الوحدة الصناعية من طرف المختصين لمعرفة الخطر، وهو أمر في صالح الصناع، لأنه يساعد على استئصال المشكل وعدم السقوط فيه ثانية.

 

     الأعراض الظاهرة حسب التسمم الغذائي

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباكتيرا              الكريات      Clostridium              عصيات حمى

                        العنقودية           perfringens          التايفويد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدة الحضانة      3 ساعات              12 ساعة              24 ساعة 

                    )1- 5 ساعات(      ) 6- 24 ساعة(     )12- 48  ساعة(

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القيء                +                       +                        +                    

الإسهال                +                       +                        +                      

آلام في البطن  +                    +++                   +++         خطير

ارتفاع الحرارة        38,5 - 39,5                  -                         +        

حالة تعب                -                        -                         +++   

دوران                  محتمل

مدة الأعراض        وجيزة                بضع ساعات            بضعة أيام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

وهناك نوع آخر من الجراثيم المضرة وهو Clostridium perfringens يسبب كذلك إصابات إسهالية وآلام بطنية، وهي إصابات كثيرة الانتشار، حيث تأتي بعد الإصابة بالتايفويد وتسممات الكريات العنقودية. ويوجد نوع Clostridium perfringens  بكثرة على المواد الغذائية وفي البيئة، وهو جرثوم كما أسلفنا الذكر، متبوغ  ويقاوم الحرارة. ويوجد على المواد الغنية بالبروتينات كاللحوم والألبان والسمك والدجاج، وتبين أخيرا أن الأطباق الجاهزة للأكل والأكلات السريعة، تمثل الأغذية الأكثر احتمالا لحمل هذا الجرثوم خصوصا إذا بقيت أو تركت لوقت طويل تحت حرارة بيئية أو عادية.

 

عند تسرب الجرثوم إلى الإنسان يلتصق بالخميلة المعوية للمعي الدقيق حيث تتبوغ الخلايا، ويصحب هذا التبوغ تكوين أو إفراز سمينات تسبب الإصابة بتسمم هذا النوع. وتظهر الأعراض على المصاب في ظرف 7 إلى 24 ساعة، مع احتمال ظهورها بعد 8 إلى  12 ساعة في أغلب الأحيان،  بعد تناول الطعام الملوث بهذا النوع، ومن بين هذه الأعراض: الإسهال مع آلام في البطن واضطرابات هضمية، وفي بعض الأحيان يظهر صداع في الرأس. وتكون هذه الإصابة بحدة أقل من حدة التسمم بالكريات العنقودية من حيث لا تتضاعف بل تبقى خفيفة إلى أن تزول، بعد مضي 12 أو 24 ساعة، حسب تحمل الشخص المصاب.

 

ك- تسممات الهيسطامين

تتردد كثيرا تسممات الهيسطامين المعروفة لدى المستهلك، خصوصا بعد استهلاك الأسماك المصبرة أو اللحوم المصبرة، وتظهر تسممات الهيسطامين في بعض الأحيان مباشرة بعد أخد مادة غذائية ملوثة، وتتمثل في ظهور حبوب أو بقع حمراء على الجلد. ويحك المصاب هذه الحبوب والبقع الحمراء، التي تتحول إلى جيوب مملوءة بسائل. وحسب حساسية الشخص والكمية المستهلكة، فإن حدتها قد تكون شديدة كما قد يلجأ صاحبها إلى الفراش. وتعالج بالمركبات المضادة للهيسطامين. ويتسبب نوع Proteus وهي باكتيريا من عائلة عصيات حمى التايفويد في الإصابة بتسممات الهيسطامين. وتكون مادة الهيسطامين غالبا في المواد الحيوانية على الخصوص، ونخص السمك والأجبان واللحوم المصبرة وأشهرها السجق، كما قد تأتي من بعض المواد النباتية.

 

يتخصص نوع Proteus بتحليل حمض أميني هو حمض الهيستيدين الموجود في البروتينات الحيوانية كالسمك واللحم على الخصوص. وبتحلل هذا الحمض الأميني  يصبح مركبا أمينيا يسمى الهيسطامين، بعدما كان حمض أميني يسمى الهيستيدين، وقد أزيلت له وظيفة الحمض والمتمثلة في المجموعة  COOH. ويتسبب هذا المركب في الحساسية عند تسربه للجسم عبر المواد الغذائية.

 

وينتمي نوع Proteus إلى المجموعة السابقة أي العصيات السالبة لصبغة اغرام، وهي المجموعة التي تضم عصيات حمى التايفويد، ويوجد بيئيا كما ذكرنا على المواد الغذائية الغنية بالبروتينات الحيوانية مثل الأسماك واللحوم  والأجبان، وكل المواد التي تحتوي على المواد اللحمية، من أطباق جاهزة للأكل، ومن وجبات محفظة في علب أو في أكياس بلاستيكية. ونشير إلى أن مشكل الهيسطامين لا يرجع إلى الشروط الصحية التي يتم فيها تصنيع المواد الغذائية، أو التي يتم فيها تحضير الوجبات، وإنما يرجع إلى المادة الخامة التي تستعمل في هذا التصنيع. من حيث أن الهيسطامين تنتج في المواد الخامة أتناء الانتظار تحت حرارة عادية، وكلما تقادمت هذه المواد الخامة أو كلما انتظرت كلما ازداد المشكل حدة، لأن التصنيع لا يزيل الخطر، بل يمكن أن يقضي على الجرثوم الحي الموجود في المادة الخامة كالسمك أو اللحم أثناء التعقيم، لكن لا يقضي على الهيسطامين، لأن هذا المركب لا يتأثر بالحرارة، وهذا هو الأمر الذي يجب على الصناع أن ينتبهوا إليه.

 

ل- التسممات الناتجة عن الفطريات  

وهذه التسممات في نظرنا، هي الأخطر لأنها لا تسفر عن أعراض يمكن للطبيب بموجبها أن يعرفها. بل يستمر تناولها ولو بكميات ضئيلة في المواد الغذائية إلى أن تصل إلى الكمية القاتلة، فتسبب أنواعا من السرطان أشهرها سرطان الكبد، وبعض الأعراض الأخرى في الأعضاء الداخلية للجسم كالكلية والطحال. وقد توجد هذه السمينات بالمواد الجافة على الخصوص، ومنها الفواكه والحبوب والثمر والتين والزيتون الأسود والتوابل المغشوشة والدقيق والمواد المنبثقة عنه كالكسكس ومساحيق الأطفال الرضع ومسحوق الحليب. وقد تنمو الفطريات على هذه المواد أثناء الخزن تحت شروط غير ملائمة، وتصيب أكثر ما تصيب الحبوب، ولا يمكن إزالتها من الدقيق إذا وجدت بالحبوب،  ولا تؤثر عليها حرارة الفرن وتبقى في الخبز أخيرا لتمر إلى المستهلك.

 

ولهذا نشير إلى أن الحبوب يجب أن تغسل قبل الطحن، وهو الأمر الذي يجب على المراقبة أن تكون صارمة فيه، لأن الخسارة التي تؤدي إليها المايكوطوكسينات كبيرة وجسيمة، ولا أحد يجهل ما يتطلبه علاج السرطان. ونظيف إلى أن هذا المرض، ولو يعتبره الناس أكثر احتمالا في الدول الغربية، فإننا نقول العكس، بل يمكن أن يكون أكثر احتمالا في المغرب إذا ما لم نراعي الشروط الصحية للمواد الاستهلاكية. ويجب ألا ننتظر وقوع حالات خطيرة للقيام بالحملة، وإنما يجب أن تكون المراقبة دائمة وبنفس الوثيرة.

 

وهناك العديد من المسببات، أو المواد المحتملة لحمل المايكوطوكسينات إلى الإنسان. ومن جملة هذه المواد نجد الزيت، والزيتون الأسود، لأن الزيتون قد يترك لمدة طويلة قبل الطحن، فتنمو الفطريات عليه داخل الأكوام، وتحرر السمينات فيمر قسم منها إلى الزيت، ويبقى القسم الآخر مع النفايات الصلبة، أو في المياه المستعملة. وكذلك الزيتون الأسود لما يعالج بالملح، فيبقى لمدة طويلة حتى يجف ويتشرب الملح، حيث يمكن للفطريات أن تنمو عليه فتصيبه السمينات بمقاييس مرتفعة، حسب الظروف التي يتم فيها تمليحه. ولتفادي هذه الآفات، وضعنا شروطا وأساليب حديثة وعملية ترتكز على الدراسة العلمية، لكي نأتي بالحل ونجنب المستهلك كل ما من شأنه أن يؤديه عبر تأطير المنتج، واستئصال كل الآفات التي قد تطرأ على الإنتاج  .

 

ومن المواد التي تنمو عليها الفطريات بسرعة، نجد الفواكه والخضر وتنمو على الفواكه الطرية والصلبة أكثر ما تنمو على الخضر، نظرا لوجود المغذيات من السكريات، ونظرا للحموضة المناسبة، لأن الفطريات تعتبر من الجراثيم المحبة للحموضة. وقد لا تصل إلى مستوى يذكر في الفواكه الطرية، بينما تشكل خطرا صحيا بالغا، إذا بقيت الفواكه لمدة طويلة كالعنب الذي يستعمل في تصنيع الخمور. فقبل أن يعصر العنب تكون الفطريات وصلت إلى حد كبير من النمو، حيث تفرز السمينات التي تمر إلى العصير وتبقى في الخمور لأنها مواد تذوب في العصير ولا تتأثر بالتخمر.

 

4- التسممات الكيماوية

 

لا شك أن التسممات الكيماوية الناتجة عن المواد الغذائية، أصبحت تطفو على الساحة الطبية والإعلامية. ويزداد المشكل تعقيدا وخطرا، مع تضخم الإنتاج الزراعي والحيواني من جهة، ومع تقدم الصناعات الغذائية من جهة أخرى. ونشير إلى أن المشكل ليس سهلا لنحيط بكل جوانبه وإنما سنعمل على إلقاء نظرة شمولية لكن تحسيسية، حتى يعي المستهلك بعض الأخطار التي بإمكانه تجنبها. وتختلف المواد الكيماوية التي تستعمل في الميدان الغذائي والزراعي والبيئي وتطهير الماء والتعليب والنقل والاستعمالات اليومية كالأواني وما إلى ذلك. وربما نوجز بعضا من هذه المركبات لخطورتها ولصعوبة تفاديها.

 

أ- المبيدات

تعتبر هذه المركبات الكيماوية من المركبات الخطيرة على صحة الإنسان، وتتسبب في أغلب الإصابات المزمنة التي تذهب بحياة البشر كالسرطان والحساسية وبعض الإصابات التي تؤدي إلى الموت دون ظهور أعراض طبية.

 

وتنقسم المبيدات إلى ثمانية أقسام كالتالي:

المبيدات الحشرية

مبيدات الأعشاب الضارة

مبيدات أو متبطات الفطريات

مبيدات الديدان

مبيدات الحلزونيات

مبيدات أو مبعدات القوارض

مبيدات أو مبعدات العصافير

المركبات الطاردة للحيوانات التديية

 

المبيدات الحشرية

رغم تسميتها بقاتلات الحشرات، فهذه المركبات تقضي على الحشرات في جميع أطوارها بما في ذلك المركبات التي تحول دون نمو اليرقات، أو تفقس البيض، أو التي تحول دون التقاء أو تناسل الحشرات. وتمتص المزروعات قدرا كبيرا من هده المركبات وتستعمل للفواكه والخضر وبعض المزروعات الأخرى. وأصبحت تستعمل بطريقة جد مكثفة لمعالجة الطماطم ضد الذبابة البيضاء داخل الدور الزجاجية.

 

 مبيدات الأعشاب

تستعمل هذه المركبات للقضاء على الأعشاب الضارة للمزروعات، وترش في الحقول على المزروعات المراد معالجتها فتصيب الأعشاب الضارة حيت تقتلها، وفي نفس الوقت تمتص المزروعات كمية هائلة أتناء الرش، والتي تمر إلى الحبوب أو الثمار بصفة هامة وتبقى هناك. ولذلك تكون كل المواد الغدائية المصنعة من مواد أولية ملوثة بالمبيدات، حاملة لقدر كبير منها.

 

مبيدات الفطريات

وهي مركبات كيماوية تستعمل على الخصوص لمعالجة بعض الأشجار ضد الفطريات التي تفسد المردودية. ومنها كروم العنب والليمون ونخيل التمور وما إلى ذلك من الأشجار المثمرة. وتأخذ الثمار كميات كبيرة من هذه المركبات الخطيرة وقد تصل بمستوى مرتفع إلى المستهلك إذا لم يحترم المنتج قواعد الرش.

 

مبيدات الديدان

توضع غالبا هذه المركبات في التربة للقضاء على الديدان واليرقات، التي تفسد المنتوجات أثناء النمو كالبطاطس، أو التي تأكل الجدور وتقضي على المزروعات في غالب الأحيان، وأشهرها الكاربامات التي تستعمل لمعالجة أشجار الموز.

 

مبيدات الحلزونيات

وهي مركبات كيماوية خطيرة تستعمل خصيصا للقضاء على الحلزونيات، التي تتسبب في إتلاف بعض المزروعات. وربما لا تخطر هذه الأشياء على دهن المستهلك، ولذلك نسوق هذه المعلومات للتعريف بوسائل الإنتاج الحديثة، وكذلك ليعمل كل شخص على مراعاة بعض الشروط الصحية في المنزل، لتفادي بعض الحوادث، ولتجنب الإصابات السامة المباشرة.

 

مبيدات وطاردات القوارض

وهي المركبات الكيماوية التي تقضي أو تبعد القوارض، وتسبب القوارض خسائر كبيرة بالمزروعات في بعض الأحيان. وقد عرف المغرب إصابة الفئران لبعض المزروعات كالدرة.

 

مبيدات وطاردات العصافير

وهي مركبات تقضي أو تبعد العصافير من الحقول لتفادي الضياع، وقد تحطم العصافير الإنتاج تماما فلا يبقى منه شيء كالحبوب والفواكه ونوار الشمس وما إلى ذلك.

 

المركبات الطاردة لبعض ا لحيوانات الثديية

هناك بعض الحيوانات الثدية مثل الخنازير الوخشية والثعلب والدب، التي تتلف المزروعات إما مباشرة بالحفر كالخنازير أو المشي أو اتخاد ممرات . وتستعمل بعض المركبات الكيماوية لاستجلائها.

 

ب - المعادن الثقيلة

 

سبق أن تكلمنا عن الرصاص في الفقرة المخصصة للماء، ولا نجهل بعض المعادن الثقيلة الأخرى التي تلوث الأغذية والتي تصيب الإنسان بالطريقة الغير مباشرة بتناوله لهذه الأغذية. ويضاف إلى الرصاص الكادميوم والزئبق وهما المعدنان اللذان يشكلان أكبر الأخطار على صحة الإنسان. ويصيب الكادميوم الكليتين على الخصوص، ويأتي من الأغذية والمشروبات الملوثة.

 

ويمتاز الزئبق بخاصية التسمم المزمن عند الإنسان، من حيث لا تظهر الأعراض ويكون الموت ساكتا، ويتركز الزئبق في الدهون عند الإنسان والحيوان. ويتجمع شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الحد القاتل فيسقط الشخص ميتا بدون أعراض. ونشير إلى أن الزئبق المعدني يتحول، في قاع المياه كالبحار والمستنقعات والوديان، إلى الزئبق العضوي (Mercury dimethyl)  بواسطة الجراثيم اللاهوائية، وهذا الشكل العضوي هو الذي يتجمع في الدهون عند السمك والحيوانات البحرية الأخرى، وعند استهلاك هذه المواد ينتقل الزئبق إلى دهون الإنسان.

 

ويضاف إلى هذه المعادن الأليمنيوم كذلك والذي يشكل خطرا مزمنا لا يمكن التغاضي عنه. ونرى أن بعض الدول المصنعة تمنع الأواني المصنوعة من الألومنيوم. ويجب تفادي ما أمكن كل المعدات المصنوعة من الألومنيوم والتي تتصل بالأغذية أو الماء.

 

ج - المواد الكيماوية الممتصة من مواد التعليب

 

ونخص في هذا الصدد المواد البلاستيكية بكل أنواعها، وما يمكن أن تسببه للمستهلك من أخطار ناتجة عن إفراطه في استعمال نوع البلاستيك الغير الصالح للف الأغذية، إما لثمنه الرخيص أو لعدم شعوره بالموضوع. إن هناك مواد بلاستيكية لا يجب أن تستعمل لتعليب المواد الغذائية، ومع ذلك نجدها تستعمل بدون أدنى تخوف، أو بدون أدنى شعور بالخطر. وطبعا فإن هذه الأشياء تنعكس على الحياة العامة للمجتمع، وحيث تكثر الأمراض المزمنة كالسرطان والحساسية والربو، يصبح المجتمع في محنة من الناحية الصحية. ولذلك يبدو أن المسؤولية تحتم على أصحاب التدبير العام أن يتخذوا البادرة الحسنة لحفظ الوطن من الأمراض والكوارث بالتصدي  لكل ما من شأنه أن يمس بصحة المواطن، علما منا أن الكل يعيش تحت هذه الأخطار وعلما منا أن ليس هناك من لا يحتمل أن لا يصاب بهذه الأخطار.