كاطالوجات الطبخ وجه آخر لطمس العادات الغذائية المغربية
ساد في وقت قريب التعاطي للموضة، ومفهوم الموضة معقد ولا نقدر على تحديده نظرا لأبعاده الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والمحيطية. ومن بين الموضات التي أفسدت كثيرا من الامتيازات الاجتماعية والدخائر العلمية والمعرفية ظاهرة الطبخ عن طريق الكاطالوجات، والتي ظهرت أول ما ظهرت في البلدان الغربية التي باتت تأكل خارج البيوت، وأصبحت معيشتها "الراقية" تعتمد الأكل خارج البيوت. وهذه الطريقة هي التي ستنعكس سلبيا عل بعض المقومات الاجتماعية، وسيترتب عنها كذلك معضلات اقتصادية وصحية. ولما فقدت النساء خبرتها في تحضير كثير من المأكولات العادية والاعتيادية، وظهرت الحاجة الماسة إلى منتوج جديد يساعد على البقاء، ظهرت هذه الكتب العجيبة والتي لا يخلو منها مطبخ في الدول الغربية. ويكاد الطبخ أن يكون أسلوبا موحدا بعدما كان فنا وتربية تلقائية. وبما أن عقدة الموضة أصابت المجتمع العربي ككل المجتمعات، أصبح مستعصيا على كثير من النساء تحضير بعض الوجبات. واستفحل الأمر حتى أصبح مستحيلا على كثير من النساء الدخول إلى المطبخ بدون المرشد في الطبخ. وهنا نصل إلى الانزلاق الخطير الذي أصاب كثير من العادات الغذائية الجيدة والممتازة من الناحية الصحية، والتي تعتبر الآن راقية فيما يخص علم التغذية الحديث. ويظهر هذا الانزلاق في التخلي عن المأكولات العربية العريقة واستبدالها قهرا، تحت تأثير الموضة، وجهل الطريقة بمواد متدنية من حيت القيمة الغذائية، والكلفة والجودة والمظهر، وكثير من الخصائص الأخرى بل حتى الطريقة التي تقدم بها للأكل. وأصبحت طريقتها شاقة وبشعة وأصبح الناس ينظرون إلى الأكل أكثر ما يأكلون.
وحبدا لو كانت هذه الموضة جيدة أو صائبة، بل حطمت الوجبات والوصفات العربية التي تعتبر رصيد علمي هائل، وأدخلت مواد جلها إن لم يكن كلها خطير على صحة المستهلك. وأخطرها عدم مراقبة ما يكتب في هذه الكتيبات التي قتلت التغذية في العالم العربي. وفاقد الشيء لا يعطيه، فالذين ألفوا هذه الكتب لا يحسنون الطبخ ولا يعرفون قيمة الوجبات العربية من الناحية العلمية. ولا نريد ولا نرضى أن يكون المستهلك لعبة في أيدي هؤلاء الذين يريدون إدخال قيم أجنبية، أو أن يكون عرضة لجهل كل من يسعى إلى تحطيم العادات والتقاليد العربية، ولو عن غير قصد، ويدخل في هذا الصدد الوصفات الغذائية المصورة والإشهارات المفرطة والمغرية وقد بينا ذلك.
لقد سبق أن تكلمنا عن طمس المواد العربية التقليدية (راجع المقال الآتي) ، لعدم القدرة على تصنيعها، والتهرب من المساهمة في البحت العلمي، الذي بدونه لا تتقدم الأمم، وحتى يكون الملف متكاملا، فإن من ضمن الآليات التي تساعد على طمس المواد العربية العريقة هذه المعضلة الاجتماعية، التي تتجلى في موضة كاطالوجات الطبخ التي أصبحت أسواق الورق والمكتبات تعج بها، وهي كارثة اجتماعية تنال من عاداتنا كما نالت من قيمنا. ففن الطبخ المغربي يكون رصيدا معرفيا هائلا في علم التغذية.
وعلينا أن نأخذ هذه المعلومات مأخذ الجدية، وأن نفكر في أي مشروع من شأنه أن يحفظ الأمة والإنسانية جمعاء من هذه الويلات الخطيرة، التي يتعرض لها المجتمع العربي بسبب اتباعه قيم أجنبية، بحجة أن العلم الغربي متقدم علينا وهو في الواقع ليس كما يظنه كثير من المحللين الذين زادوا من حدة التخلف في بلدانهم بسبب العقدة الغربية.
ونذكر أن هناك تراجع كبير فيما يخص الطبخ المغربي العريق، وأصبحت البرامج المتلفزة حول الطبخ مهزلة كبيرة، خصوصا وأن النساء المغربيات تعلمن الطبخ تلقائيا إلا اللاتي يخفين جهلهن وعدم قدرتهم على الطبخ تحت ستار التقدم زعما أنهن أصبحن متعلمات وذوات مستوى لا يسمح لهن بالطبخ.